ينطلق نيتشه في الفصل الثالث من كتابه جينيالوجيا لأخلاق من سؤال
حول معنى " المثال الزهدي" .ويرى أنه قد يعني أشياء كثيرة وقد لا يعني
شيئا ، أما لدى الفلاسفة فهو موهبة أو فطرة لإدراك الشروط الملائمة لروحانية عالية
، أما لدى النساء فهو نوع من التخنث أمام لحوم آدمية، هو الشيء الملائكي الذي نجده
في حيوان جميل رشيق ولحيم، وعند المأفوفين ( أي لدى معظم الناس) فهو نوع من الفجور
المقدس ومحاولتهم ليكونوا صالحين لهذا العالم ، هو سلاحهم لمقاومة الألم البطيء
والضجر ، أما عند الكهنة فهو وسيلتهم للتسلط وامتلاك السلطة ، أما لدى القديسين
فهو ذريعتهم للسبات الشتوي واستراحتهم في حضن العدم (الرب) .
إن هذا التنوع في معاني" المثال الزهدي "
هو ما يعطي للإنسانية معنى، لأن الإنسانية تتجه نحو العدم وهذا خير من أن تتغيى اللا
شيء[1] .
ينتقد نيتشه صديقه الفنان فاغنر وضعا منه مثالا للمتشبث "بالمثال
لزهدي" حيث تحول هذا الأخير من موسيقا " أعراس لوثر " التي تمجد (
الشبقية) وإرادة الحياة إلى موسيقى ( أرباب الغناء) التي تنم عن مدح للعفة وكبح
جماح الشهوة ، فقد راح فاغنر يمجد العفة على حساب (الشبقية)، لكن نيتشه يرى
أنه ليس ثمة أي تعارض بينهما .
إن توجه فاغنر إلى مدح العفة _ حسب
نيتشه_ هو توجه وارتداد نحو مسيحية مريضة وظلامية ، وأخيرا هو نفي للذات ونكران لها.
لقد كان فاغنر متأثرا بفلسفة فيورباخ
المادية[2]
لكنه في أواخر حياته اتجه نحو النكوص والبحث عن التوبة ،كما قام بنفي الذات
واعتناق المسيحية وعاد إلى القرون الوسطى " إذ نجده يقول لمريديه : ليس هناك
ما يمكن فعله ، ابحثوا عن الخلاص في مكان آخر لم يبقى لكم إلا التضرع بدم المخلص*
.
كما انتقد نيتشه مسرحية فاغنر
" مأساة بارسيفال " التي مجد فيها مقاومة الرغبات والتصوف
المسيحي.
ويرى نيتشه بأنه في هذا الانتقال الذي لحق فاغنر من مدح ( الشبقية )
إلى مدح العفة ورائه تأثر بفلسفة شوبنهاور " وهكذا اتخذ فاغنر
شوبنهاور إماما وسندا"[3] .
وإذا كان الإنسان يرى في العفة شيئا حسنا و(الشبقية ) عكس ذلك فإن نيتشه نجده يمدح
الرغبة على أنها إرادة للقوة وما العفة إلا إرادة للضعف لأنها ترتبط بأخلاق
المسيحية التي هي أخلاق لاإرادة الحياة .
*
المثال الزهدي عند الفلاسفة
يرى نيتشه أن شوبنهاور
بنظرياته الفلسفية حول الفن جعل من الموسيقى خادمة للوحي ، كما صار هو –شوبنهاور-
مثل الكاهن ناطق بلسان ذاتية الأشياء وهاتفا للاتصال بالما وراء ومتكلم في الميتافيزيقا
.
لقد سعى " شوبنهاور إلى جعل الموسيقا مستقلة عن باقي الفنون
لتعبر عن الهاوية وعن الوحي .وانتقد نيتشه كانط وشوبنهاور في حكمهما عن
الجمال " فالجمال ما يعجبك دون أن يثيرك إثارة جنسية " إذ يمكن أن ننظر
إلى لوحة نساء عاريات ولن تثير فينا أي رغبة إذن الجمال هو دون غاية هو تمثل دون
إرادة وما الإرادة –في رأي شوبنهاور- إلا عناء ومشقة[4]
.
وبذلك ينتقد نيتشه أستاذه شوبنهاور
لاعتباره الفن مهدئا للإرادة وكذلك موقفه حول الجنس " ومما لا مراء فيه أنه
منذ أن وجد الفلاسفة على الأرض وجد معهم عداء حقيقي للجنس وحقد فلسفي عليه وما شوبنهاور
إلا تعبير فصيح عليه[5]
.
إن" المثال الزهدي" عند الفلاسفة هو الابتعاد عن الجنس هو
تأَلًًًًًََه حيوان وتجنحه حتى يصير محلقا فوق الحياة عوض أن يتخذ منها متكئا
.وكلمات "المثال الزهدي "عند الفلاسفة هي ثلاث : " العفة "
والفقر " والتواضع " لكنها ليست فضائل وإنما هي شروط لوجودهم وتفلسفهم
الأصم الأبكم .لذلك نجد الفلاسفة منعزلين في غرفهم وفي البيادي.
فمن – في رأي نيتشه- تزوج أفلاطون
كانط اسبينوزاليبنز..كلهم لم يتزوجوا وحتى الزواج ملهات وسقراط حين
تزوج فهو للسخرية فقط.
إن المثال الزهدي هو الشرط الملائم للتفلسف لا بدافع التقشف والزهد في
الحياة ولا الفضيلة وإنما هو شرط من شروط الفلسفة المريضة[6]
"لقد رأينا أن الزهد ، أي التنسك الطوعي الصارم الرزين هو من بين الشروط
الملائمة لروحانية متعالية"[7]
. والفلسفة الأولى بحثت عن سند لوجودها فاتخذت من الزهد، والتقشف، وتعذيب النفس،
وقناع الرجل المتأمل، وقناع الكهنة والسحرة والعرافين، وقناع رجل الدين، شرط لوجود
الفيلسوف لأنه لم يكن ممكنا وجوده دون احتقار نفسها احتقارا زهديا .
* الكاهن الزاهد
إن الكاهن الزاهد- حسب نيتشه- يجد
في "مثاله الأعلى الزهدي" بإرادته وسلطته ومصلحته إذ أن هذا المثال يوجد
حقه في الحياة وباختفائه يختفي ، ويقيم الكهان الزهد حياة الإنسان، ويعتبرون أن
حياتهم الزهدية هي الجسر الذي نعبره إلى ذلك الوجود الآخر " .يرى الزاهد أن
الحياة طريق سلكناه خطأ ويجب علينا أن نعود أدراجنا إلى نقطة البداية ".
إن الأرض حسب الزاهد زاوية من الكون
تقطنها مخلوقات غير راضية فضة كريهة لا تستطيع التخلص من الاشمئزاز العميق اتجاه
نفسها واتجاه الأرض والحياة كلها .إن الحياة الزهدية تناقض ذاتي مستمر لأن الكاهن
دائما في تناقض بين حب الحياة وتعذيب الجسد الذي يرى فيه اللذة وذلك للوصول إلى
الخلاص.
إنه يمتلك-الزاهد- إرادة متناقضة
ومعارضة للطبيعة إنه تناقض الحياة ضد الحياة .إن "المثال الزهدي" هو
حيلة للبقاء فعندما يراه المعجبون به فيه وبه تقام حياتهم المرضية لذلك فإن هؤلاء
المرضى الزهديين الناقمين عن الحياة يجب إبعادهم عن دوي الإرادة القوية لأن طموح
هؤلاء –الذين يعتبرهم نيتشه سفلة – ومرضى هو تمثيل " العدل " و"
الحب " و " الحكمة " .
لقد بات مؤكدا أن هؤلاء الضعفاء المصابون بأمراض مزمنة قد استأجروا الفضيلة ، وهناك دائما في فمهم المضموم الشفتين
لعابا مسمما يسمونه العدالة وهم دائما مستعدون ليبصقوه على كل من يبدو مستاء
ومن يسير في طريقه لا يثقل كاهله أي هم .
إذا كان نيتشه ضد الأخلاق فإنه ضد نوع من
الأخلاق، وهي أخلاق المسيحية التي تدعو إلى الزهد والابتعاد عن الرغبة في الحياة
.إذن فلا غرابة أن نجده أن نجده ضد فاغنر وشوبنهاور ينتقدهما خلال
محاولتهما كبح جماح الشهوة وامتداحهما للعفة ومنه فهو داع لقلب القيم الأخلاقية
الزهدية التي ترى في العفة شيئا حسنا .
إن فعل الخير والفضيلة والتخفيف من
الألم هي وسائل يستخدمها الكهان لخنق الأحاسيس الحيوية ولكبح النشاط الحيوي لإرادة
الحياة .إن الفرحة الصغيرة خاصة محبة القريب الانتضام داخل الجماعة ...هي وسائل
يستعملها الضعفاء لمواجهة الضيق .كما أن كتب الموعضة تجعل الجيل الصاعد يتقيأ
لسماعه المثل والأخلاق. سبب ذلك أخلاقياتها المتكلفة وتخنقها الذي يطلق عليه اسم
المثالية " إن الصالحين أفسدتهم الأخلاق غاية ما يكون الإفساد وأصابتهم
بالعدوى "[8]
إن المثل وخاصة " المثال الزهدي " هو في خدمة مشروع قبض الأحاسيس وإغضاب الروح
الإنسانية، الإلقاء بها وسط الرعب، والخوف ،والحماسة، والافتتان لخدمة مصلحة
الكاهن لأنه لا يتردد في جعل الكلاب المتوحشة النابحة داخل الإنسان في خدمته بلغة نيتشه
.وكل الوسائل من تعذيب للنفس والخير والسعادة : هي انتصار للمثال الزهدي .
خلاصة القول لقد كتب " المثال
الزهدي " وعبادته الأخلاقية السامية
البارعة والخطيرة التي تعرف التردد لكل الوسائل الرامية إلى حدوث فيض في الأحاسيس
وبذلك الهيمنة والتسلط .
لقد بتنا ندرك أن " المثال الزهدي
" – حسب نيتشه – لم يكن أبدا في أي
مكان مدرسة للذوق السليم ولا للسلوك الحسن
. لقد كان في أفضل أحواله مدرسة للسلوك الكهنوتي ، ذلك لأنه يحمل في طياته شيئا
قاتلا للسلوك.إنه عدم الاعتدال .ومن هنا " لا يعترف نيتشه أصلا بالقيم
الأخلاقية السائدة ، ويحاول مراجعتها من جديد ". إذا فهو ليس عاصيا ولا
منحرفا وإنما مستقل عن الأخلاق "[9]

تعليقات: 0
إرسال تعليق