الوضعية المشكلة
تم خلال هذه الوضعية المشكلة إعادة صياغة الإشكال
المطروح بتقديم المجزوءة لكنه لم يخرج عن سياقه الذي يدور حول إمكانية الجمع بين
النقيضين هما الحرية والحتمية ، وقد إنضاف عنصر ثاني لهذا الإشكال وذلك بغية ربطه
بالمحور الثاني وهو علاقة الحرية بالإرادة ثم عنصر ثالث وهو الحرية وعلاقتها
بالقانون .
المحور الأول :الحرية والحتمية
كثيرا ما يتم الخلط بين مفاهيم لها نفس الدلالات كالحرية
والإرادة والرغبة..وهذا ما تم في هذا المحور حيث أن الحديث عن الإرادة عند ابن رشد
ليس هو الحديث عن الحرية والحديث عن الحتمية ليس هو الحديث عن الضرورة وهذا هو الإشكال
الذي يعالجه ابن رشد –في النص - (65)ولذلك كان
النص ينأى عن الإشكالية المطروحة في هذا المحور فالنص يناسب المحور الثاني والذي
يعالج مسألة الحرية والإرادة.وفي النص الثاني لاسبينوزا نجد بأن الإنسان حر لكنه
ينساق وراء حتمية لا يعلم مصدرها " فهو يعتقد أنه يسلك في فعله وفق قرار تمليه عليه نفسه ،وليس لكونه ينساب وراء
الإكراه "(66 )ويشير نص كانط إلى أن " الحرية بمعناها
العملي هي الاستقلالية في الحكم أمام الإكراه الذي تفرضه ميول الحساسية "(67).
المحور الثاني : حرية الإرادة
يؤكد ابن باجة أن الإنسان حر في أفعاله ويختار ما يريد
" وأعني بالاختيار ، الإرادة الكامنة عن الروية "(68)
لكن هذا الاختيار لا ينتج من جهة النفس البهيمية، ويقدم النص الثاني للفيلسوف
السياسي الفرنسي ألكسيس دو طوكفيل A.de Tocqueville " رؤية عن علاقة الحرية بالإرادة في ظل
مجتمع ديمقراطي ، ويستشرف آفاق التطور الذي يمكن أن يسير فيه الإنسان المعاصر
،وكذا النتائج التي قد تنعكس وتؤدي على الفوضى والعبودية "(69)ينزع التصور السارتري إلى إعطاء الحرية
الكاملة والمطلقة للإنسان وترتبط هذه الحرية بالإرادة الحرة هذه"الإرادة كما
يفهمها أغلبنا قرار واع يأتي لاحقا"(70).
المحور الثالث: الحرية والقانون
يعالج هذا المحور إشكالية العلاقة بين مفهومي الحرية
والقانون وذلك في بعديهما الأخلاقي ،و لا تنفصل الحرية والقانون حسب المفكر
المغربي عبد الله العروي إذ"تعني الحرية في هذه التجربة الأولية مجموعة الحقوق
المعترف بها للفرد ومجموع القدرات التي يتمتع بها "(71).
إذا نظرنا إلى نص حنا أردنت H.Arendt وجدناه بعيدا عن الإشكال المطروح أي العلاقة بين الحرية والقانون
فالنص يعالج مسألة الحرية ومجالاتها إذ تركز أردنت على أن مجال الحرية هو مجال للنقاش
السياسي وليس مجال نقاش الفلسفة وبذلك يكون هذا النص كذلك بعيد الإشكال المطروح(72) شأنه شأن نص ابن رشد كما بينا سابقا.
يشير مونتيسكيو في النص الأخير على أن الحرية لا تنفصل
عن القانون فهي تحتاج إلى حدود معينة" فالحرية هي حق فعل كل ما تبيحه
القوانين .فإذا ما استطاع أحد الناس أن يصنع ما تحرمه القوانين سيفقد الحرية، وذلك
لإمكان قيام الآخرين بمثل ما فعل ."(73)

تعليقات: 0
إرسال تعليق