الإشكالات المطروحة بالتقديم
يطرح تقديم المجزوءة عدة إشكالات ندرجها على الشكل
التالي : هل الدولة عامل تحرر أم هي عامل قمع ؟ إذا لم تنجد الدولة سندها الشرعي
في القمع ، فهل ستجده في المقدس ، أم في الفصل بين السلط أم في تحقيق العدالة
كأساس للحق والمساواة والإنصاف؟
ما هو الحق الذي يطالب به الجميع ؟ هل هو حق يقوم على
أساس طبيعي (القوة) أم يقوم على أساس ثقافي (العقل)؟ ما علاقته بالعدالة ؟ وإلى أي
حد تتطابق العدالة مع الحق ؟ أم تراها –العدالة – مجرد شعور بالإنصاف ؟
الباب الأول : مفهوم الدولة
إن جملة الإشكالات المطروحة بالتقديم مرتبطة بمفاهيم
الدولة والحق والعدالة كما أنها ترتبط بالوضعية المشكلة للمفاهيم غذ تتساءل عن
مشروعية الدولة ومنابعها ، هل مشروعيتها مستمدة من حماية الحريات وضمان الأمن أم
من ممارسة العنف والهيمنة؟ وكيف يمكن للدولة أن تحقق نوعا من التوازن بين هذين
الطرفين المتناقضين لتصبح دولة حق وقانون؟
المحور الأول : مشروعية الدولة وغاياتها
لما طرح بالوضعية المشكلة إشكالية مشروعية الدولة
وغايتها فإن النص الأول لجون لوك J.Locke يشير إلى " أن مشروعية الدولة تتأسس على ضرورة
حماية أمن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم ولا تستمد مشروعيتها من أي سلطة خارجية "
(38)ويسير اسبنوزا B.Spinoza في نفس الأطروحة حيث" أن
مشروعية الدولة تتأسس على" تحرير الفرد من من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان
بقدر الإمكان ، أي أن يحتفظ بقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون
إلحاق الضرر بالغير "(39) أما
نص هيجل Hegel فيشير إلى" أن مشروعية الدولة لا تتوقف عند حماية الأمن فقط
كما أنها لا تختزل في فرض السيادة والقمع والإخضاع ، بل مشروعيتها تستمد من نشر
القيم الروحية والمبادئ العقلية ، وهي قيم أساس للمجتمع إذ بها يتمكن الإنسان من
الاعتراف له بإنسانيته " (40) .
المحور الثاني : طبيعة السلطة السياسية
قد بدا جليا أن الوضعية المشكلة تطرح كإشكال ثان طبيعة
السلطة السياسية أي مساءلة هذه الطبيعة والكيفية التي ينبغي أن تكون عليها هل
تنبني على القوة والهيمنة أم على القانون
والحرية والمساواة؟
يجب الإيماء هنا إلى أن النص الأول لمونتيسكيو Montesquieu يطرح أنواع السلط ،
التشريعية والتنفيذية والقضائية ولا يفصح
عن طبيعة السلطة السياسية(41) ، أما
النص الثاني لجون لوك يفصح على أن طبيعة السلطة السياسية هي ملزمة "
الخضوع لقرارات الأكثرية والتقيد بها أمام كل فرد من أفراد تلك الهيئة "(42)، ويعتبر العالم السوسيولوجي ألان
تورين A.Touraine أن طبيعة السلطة السياسية هي طبيعة حقوقية تتأسس "
على احترام الحقوق...وهذه الحقوق هي الحقوق المدنية أولا ثم الحقوق الاجتماعية
والثقافية ثانيا "(43) .
المحور الثالث : الدولة بين الحق والعنف
تم وضع تقابل في كل المحار بين مفهومين أساسيين مفهوم الحق ومفهوم العنف
هذين المفهومين وضعا على طري نقيض فيما بينهما رغم امتلاكهما من طرف واحد وهو
الدولة ، هذه الأخيرة تسعى إلى تحقيق نوع من التوازن لذلك تبقى بين استعمالها للعنف
كأساس مشروع وكذلك للحق كواجب عليها مفروض .
وبالنسبة للأول –العنف المشروع- نجد ماكس فيبر M.Wober يشدد على أن " العنف ليس بطبيعة الحال إلا الوسيلة
الوحيدة للدولة ، وبدون شك ، ولكنه وسيلتها الخاصة "(44)
، وتنفي جاكلين روس J.Russ قيام الدولة
على العنف المشروع بل تقوم على " ملامح ثلاث : القانون والحق وفصل السلط
،وتضمن جميعها احترام الشخص وتسهر على تأسيس هذا الاحترام "(45)
يدخل النص الثالث لبول ريكور P.Ricoeur للجواب عن
الإشكال – في علاقة تمايز مع النص الأول- إذ ينفي أن تكون الدولة هي دولة عنف كما
أشار إلى ذلك فيبر وإنما " لا يعني تعريفها انطلاقا من العنف ، وإنما انطلاقا
من السلطة "(46) .

تعليقات: 0
إرسال تعليق