تنطلق الوضعية المشكلة لمفهوم الغير من نص
للفيلسوف الفرنسي ديكارت Descarte .إذ يعتبر فيه إن التفكير جوهر للإنسان، وهذا
التفكير هو تفكير في موضوع ما بما في ذلك الآخر .وينفتح –النص – على إشكالية
المحور الأول ( وجود الغير) وكيفية تحديده هل هو مختلف عن الذات المفكرة
أم أنه يشبهها ؟هل هناك إمكانية معرفته؟ وعلى أي أساس تصبح ممكنة :هل من خلال
انطباعاته الداخلية أم من خلال سلوكاته وردود أفعاله الخارجية ؟وما طبيعة العلاقة
التي تربط ني به ؟هل هي علاقة إقصاء ونبذ أم هي علاقة تعاطف واعتراف ؟
المحور الأول : وجود الغير
يرى ميرلوبونتي M.Merleauponty –في النص الأول – بأن الغير موجود
جسدي يشبهني إمبريقي **Empirique قابل للتجريب لكن بالنسبة للغير كوعي لا يمكن
معرفة هل هو شبيه لي أم أنه مختلف عني ، وبذلك فهو " غير موجود بالنسبة للفكر
الموضوعي "(13).وفي النص الثاني
للفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر J.P.Sarter نجد على أن " الغير هو المسئول عن الحد من حريتي رغم كونه شرطا
لوجودي " (14) .
إن هذا النص دأبه أن يدرج في كل من المحور الأول إذ
يعالج إشكالية وجود الغير، كما أن ديدنه أن يدرج في المحور الثالث حيث الحديث عن
العلاقة الممكن مع الغير.
أما النص الثالث لهوسرل E.Husserl فإنه يتلاءم والمحور الأول (وجود الغير ) ويؤكد على "
أن الغير هو موضوع بالنسبة لذاتي موجود يشبهني أدركه ويدركني إنطلاقا من
كوننا ذوات ندرك العالم "(15).
المحور الثاني : معرفة الغير
الإشكالية المطروحة بهذا المحور هي إمكانية معرفة الغير
أو عدمها ، وإذا كانت ممكنة فكيف السبيل لمعرفتها ؟ هل بالانطباعات الداخلية أم من
خلال الانطباعات والسلوكات الخارجية ؟
تنتدب ثلاثة نصوص نفسها للجواب عن هذه الإشكالية ، النص
الأول لصاحبه جون بول سارتر J.P.Sartreإذ
يفصح فيه على إمكانية " معرفة الغير واردة على نحو أمبريقي ( اختباري
) جسمي ، لكن هذه المعرفة ليست كافية لمعرفته معرفة حقيقية إذ من خلال الصورة التي
أكونها من حقل تجربتي يبقى الغير صورة ذهنية فقط " (16)ويرى
مالبرانش Malebranche بأن معرفة الغير
غير ممكنة ، سواء بالإحساسات أو الوعي فمعرفتنا به هي معرفة
افتراضية "(17) ويسير ميرلوبونتي
في نفس الطرح حيث يؤكد على " استحالة
معرف الغير لأننا نعرف فقط سلوك الغير وكلامه وهذين المكونين ليس
هما الغير " (18) .
المحور الثالث : العلاقة بالغير
بعد ما طرح الإشكال في المحور الأول حول وجود الغير ثم
حول إمكانية معرفته ويطرح إشكال ثالث بالمحور الأخير مفاده ما علاقة الشخص بالغير
؟هل هي علاقة صراع ونبذ وإقصاء أم هي علاقة تعاطف واحترام ؟
نجد جوابا لهذه الإشكالات في النصين المتأخرين عن النص
الأول للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر M.Heidegger الذي لا يمكن لنصه ، بأي حال من الأحوال
ربطه بالمحور الثالث ( العلاقة بالغير) ذلك أن الغير – حسب هيدجر- كموجود
في الوجود ينأى عن علاقة الغير بالآخر ، ويعبر عنه بالوجود هنا ( Dasein) كما أنه لا يجيب – النص-
عن نوع العلاقة الممكنة التي تربط الغير بغير آخر(19).
هذا عكسه ما نجده في نص جوليا كريستيفا J.Kristeva التي ترى أن الآخر –الغير-هو الغريب
الذي يسكننا على نحو غريب وهو ليس عدوا بل به يتبدد وفاقنا وتعاطفنا "(20)
ويضيف النص الثالث لميرلوبونتي كجواب عن الإشكالية " أن العلاقة بالغير
والآخر هي علاقة يحددها نوع التواصل إذ النظرة للغير كموضوع تشوهه
واللاتعاطف معه يعلق التواصل ولا ينفيه "(21).
** ما
ينتج عن التجربة مباشرة ، ويستعمل كصفة تلحق بالأشخاص كالقول شخص إمبريقي
أي من يتمسك بالتجربة المباشرة. عن معجم لالاند.

تعليقات: 0
إرسال تعليق