الإشكالات المطروحة بالوضعية المشكلة
طرح تقديم مجزوءة السياسة إشكالية أساس الحق ، هل هو
طبيعي ( القوة ) أم ثقافي ( العقل ) ، كما تم مقابلة مفهوم الحق بمفهوم العدالة
والتساؤل عن العلاقة الممكنة فيما بينهما .
تسير الوضعية المشكلة في سياق إشكالات تتماشى وفق هذين الإشكالين.
وهذه الإشكالات هي هل من اللازم أن يتأسس الحق على الإكراه دائما ، أم يمكن أن
ينتج عن الاتفاق والمواضعة ؟ وكيف يمكن أن تتحقق العدالة ضمن شروط إنسانية يتأسس
فيها الحق على الإكراه ؟ كيف يمكن لهذه الشروط الإنسانية أن تفرز واقعا تتحقق فيه
المساواة والإنصاف باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأية عدالة ممكنة ؟
المحور الأول : الحق بين الطبيعي والوضعي
لما كان الإنسان في حالة الطبيعة في حرب الكل ضد الكل
،وما دام كل واحد يهدف إلى تحقيق مصلحته ، فإن النتيجة هي من حق كل واحد استعمال
حقه الطبيعي لحماية ذاته والدفاع عنهاوبه كان الحق حسب توماس هوبز T.Hobbes هو حق طبيعي (47) ، وهذا عكس ما جاء به اسبينوزا في نصه
إذ اعتبر أن الحق هو حق يتأسس على مقتضيات العقل رغم اتفاقه مع هوبز على أن
حالة الطبيعة هي حالة تهدد حياة الإنسان واستقراره(48).
أما النص الثالث للفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو J.J.rousseau فيبين على أن" الانتقال من حالة الطبيعة
إلى حالة المدنية هو انتقال من حق القوة على قوة الحق ، أي من الاحتكام إلى القوة
الطبيعية الفيزيائية إل القوة القانونية "(49).
المحور الثاني : العدالة كأساس للحق.
ينبغي التنبيه على أنه رغم طرح تقديم المجزوءة لإشكالية
العلاقة بين العدالة والحق ، إلا أن النص الأول لألان تورين A.Torin لا يتطرق البتة لهذا الإشكال وإنما يشير فقط إلى مفهوم الحق (50)، كما تجدر الإشارة إلى أن النصوص التي
يجب أن تعتمد للإجابة عن هذا الإشكال يلزم أن تكون فلسفية وهذا ما لم يتوفر في النص الثاني والذي هو نص
مقتطف من الإعلان العلمي لحقوق الإنسان دجنبر 1948(51)
.
كما أن النص الثالث لشيشرون يشير Cicéron إلى أن "
الفضائل وليدة ميلنا إلى حب الناس (هذا الحب) الذي هو أساس الحق"(52) وهذا نص يتلاءم والإشكالية المطروحة
بالمحور.
المحور الثالث : العدالة بين المساواة والإنصاف
ينطلق نص أفلاطون Platon المقتطف من محارة الجمهورية من مسلمة مفادها إن كل إنسان في
الدولة يؤدي وظيفته في المجتمع لذلك فإن العدالة هي أن يلتزم كل فرد بالحال الذي
وجد نفسه عليه " وأن ينصرف المرء إلى شؤونه، دون أن يتدخل في شؤون غيره "(53)
، ويركز هيوم D.Hume في النص الثاني على مفهوم العدالة وعلاقته بمفاهيم كالحق
والحرية والعقل والكرامة ،و"العدالة هي فضيلة لا تخلقها إلا قوانين المجتمع ،ومن
ثم فإن أخلاق المنفعة والمتعة لا تتعارض ومفهوم الحرية الفردية والجماعية "(54).
يتضح من خلال هذين النصين أنهما لا يشيران إلى الإشكال
الأساسي المطروح بالوضعية المشكلة حول العلاقة بين العدالة والمساواة والإنصاف
ويمكن أن نشير إلى أن هذه المفاهيم هي مفاهيم معاصرة ، إذ لا يمكن الحديث عن
المساواة من خلال نص أفلاطون أو نص هيوم. إذ مفهوم المساواة مرتبط بالفترة
الحديثة والمعاصرة، في حين نجد النص الثالث لجون راولز J.Rawls يشير إلى أن " العدالة كإنصاف ليس ميتافيزيقا ولا
إبستيمولوجيا ، بل "هو" هدف عملي "(55).

تعليقات: 0
إرسال تعليق