تحليل ومناقشة سؤال فلسفي ،موضوع انشائي ،منهجية الفلسفة
الموضوع الأول :
إلى أي حد يمكن أن يتجاوز الحق والعدالة كل عنف غير مشروع ؟
يندرج هذه السؤال في إطار الإشكالات التي تطرحها مجزوءة السياسة ،خاصة مفهوم العنف ،ورغم حضور كل من مقهومي الحق والعدالة إلا أن هذا السؤال الإشكالي لا يرتبط بالإشكالات المدرجة في المحاور الثلاث لدرس الحق والعدالة : أي المحور الأول، الحق والعدالة ثم العدالة باعتبارها حقا وكذلك المحور الثالث العدالة بين الإنصاف والمساواة كما ينأى السؤال عن مفهوم الدولة ويشير إلى المحور الثالث: العنف والمشروعية .يتضمن السؤال قيد التحليل على أربعة مفاهيم أساسية وهي الحق والعدالة بالإضافة إلى مفهومي العنف ، ويقص بالأول ، أي الحقle droit ، نقيض الباطل ،كما يدل على الثبات ،وقد يعني مطابقة الحكم للواقع ،وهو بذلك يرتبط بالحقيقة .وفي معنى آخر يدل على القواعد العقلية التي توجه تصرفات الإنسان في علاقته مع ذاته والغير ..كما يمكن تقسيم الحقوق إلى حقوق طبيعية ترتبط بطبيعة الإنسان كالحرية وحقوق وضعية للإنسان ، تم التعاقد عليها بعد الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن كالحق في الملكية وحق التصويت ...وظهرت هذه الحقوق مع كل فلاسفة الحق الطبيعي كهوبز وروسو ولوك.. أما المفهوم الثاني فهو مفهوم العدالة la justice ويعني هذا المفهوم لغة الاستقامة وقد اعتبرها بعض الفلاسفة ملكة في النفس تمنع الإنسان من الرذائل وهي إعطاء كل ذي حق حقه ، أو الوسطية بين الإفراط والتفريط ...أما المفهوم الثالث فهو مفهوم المشروعية ( مشروع Légitime ) وهو الحالة التي تكون فيها الحقوق الإنسانية هي المحدد الأول للعلاقات الإنسانية وليس العنف la violence الذي اشتق من الكلمة اللاتينية violentia أي الإسراف في استعمال القوة على الطبيعة أو على الأفراد ومحاولة إخضاعهم ،وقد ميز السوسيولوجي الفرنسي المعاصر بيير بورديو بين نوعين من العنف ، عنف مادي قد يتم على مستوى الجسد وعنف رمزي قد يكون مجرد نظرة دونية للآخر أو عبر الكلام الجارح أو عنف رمزي يمرر عبر عميلة نقل المعرفة كالإيديولوجيات أو عنف التي تمارسه وسائل الإعلام على المشاهد.
يمكن التمييز إذن بين نوعين من العنف ، عنف مادي وعنف رمزي ، كما يمكن أن نجد أنواعا أخرى من العنف فما هي ؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون العنف مشرواعا ؟ وإذا أمكن أن يكون هذا العنف مشروعا فهل يمكن تجاوز العنف غير المشروع عن طريق الحق والعدالة ؟
للجوابا عن الأسئلة الإشكالية المطروحة في التقديم يمكن الإشارة إلى أنه إذا كان بيير بورديو يشير إلى نوعين من هما العنف المادي والعنف الرمزي ،فيمكن الإشارة إلى نوعين آخرين من العنف هما العنف المشروع والعنف الغير المشروع كما أشار إليه السؤال ، ويمكن أن نجد الأول إما داخل الدولة أو داخل الأسرة حيث أنه وفي كثير من الأحيان نجد الدولة تتدخل بالعنف للحفاظ على النظام ولكي لا تدب الفوضى في المجتمع أما الثاني فقد يكون في حالة ما إذا كان هناك شطط في استعمال القوة .
يتوافق هذا الموقف مع موقف السوسيولوجي الألماني ماكس فييبر الذي أشار إلى أن الغاية من تأسيس الدولة ،إنما هي الحفاظ على الأمن ، ووسيلتها لذلك هي العنف المادي المشروع ،حيث اعتقد ،هذا الأخير، أنه ( العنف المادي ) أنجع وسيلة في يد الدولة لكن ليس وسيلتها الوحيدة بل المتميزة، إذ أنه لا بد –حسب فيبر- أن تكون للدولة آليات لقهر الأفراد وإخضاعهم لسلطتها ، ويشير فيبر إلى أن الدولة ليست وحدها فقط تمتلك ذلك العنف بل إن لها أجهزة يمكنها أن تساعدها على حفظ النظام ومثال على ذلك الأجهزة الأمنية من عسكر وشرطة...
في مقابل أطروحة فييبر التي تقر بمشروعية العنف ، بغض النظر عن الحق والعدالة ، يمكن أن نجد أطروحة محايدة تجيبنا عن مدى مشروعية العنف وفي هذا الصدد يمكن الاستئناس بأطروحتي الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط والزعيم السياسي الهندي غاندي اللذان اتفقا ،رغم اختلاف منطلقاتهما، على أن العنف لن يكون مشروعا نهائيا ، إذ أشار كانط إلى أن العنف فعل غير أخلاقي ، ولا داع لاستعماله ، ويُرجع سببه إلى أن الدولة دائما تتدرع بالحفاظ على النظام لتعنف الشعب ، أما الأفراد فيتدرعون بالمعاملة غير ألائقة للدولة لهم، لذلك يلجؤون إلى العنف ضدا على هذه الدولة ، وفي إطار هذه العلاقة الجدلية بين الدولة والأفراد فلن يكون للفعل الأخلاقي أي وجود، لذلك يدعو كانط إلى تجاوز كل أشكال العنف كيفما كان نوعها ،وهذا ما دعا إليه حتى الزعيم السياسي غاندي بالهند ،حيث دعا الشعب الهندي إلى مواجهة الاستعمار البريطاني للهند ، بالعصيان المديني ، الروحي عود استعمال العنف المادي .
إن كل هذه المواقف تجيبنا عن إشكالية مدى مشروعية العنف لكنها لم تقدم لنا الحل الفعال لتجاوزه ،لذلك فما هي الحلول التي يمكن أن تقدم لتجاوز العنف غير المشروع ؟
غني عن البيان أن الأطروحة المناسبة للجواب عن هذا السؤال والتي يمكن أن تقدم لنا حلا لتجاوز هذا الإشكال ، هي أطروحة الفيلسوفة الفرنسية المعاصرة جاكلين روس التي رأت في كتابها نظريات السلطة أنه لتجاوز العنف ،كيف ما كان نوعه ، يجب علينا أن نؤسس لدولة الحق والقانون ، التي تضمن للناس كل حقوقهم سواء الطبيعية أو المدنية السياسية ، كما تساوي، هذه الدولة،بين كل الناس فلا أحد يعلو على القانون كيف ما كان مركزه ، وتقسم جاكلين روس أسس الدول التي يمكنها أن تتجاوز العنف عن طريق الحق والعدالة إلى ثلاثة أسس رئيسة هي : الحق الذي يجب أن يعطى لكل الناس ، ثم القانون الذي ينبغي أن يعلو على كل الأشخاص ويكون فوق كل اعتبار ، ثم فصل السلط الذي يمنع كل هيمنة أو تسلط من قبل أي جهة و يخلق نوعا من الحوار بين الشركاء داخل المجتمع ويفصل بين مهام السلطة التشريعية التي تسن القوانين والسلطة التنفيذية التي تنفذها ،لكي لا تكون السلط التشريعية هي المشرع والمنفذ ، أو هي القاضي والجلاد...
إذن ، عن طريق الحق والعدالة بالإضافة إلى القانون ، يمكن تجاوز العنف غير المشروع ،حسب جاكلين روس والبحث عن الحلول التفاوضية السلمية كما أشار إلى ذلك كل من كانط وغاندي ، لكن يمكن أن تكون أطروحة جاكلين روس أكثر مصداقية حيث أنه عن طريق الحق والعدالة تستطيع الدولة تجاوز العنف غير المشروع وتحد من استعمالها له ، لكنها لا تستطيع التخلي عنه لأنه سيبقى الوسيلة الأنجع لحفظ النظام وجعل الأمور تبقى في إطارها المشروع وإلا سوف يرجع الإنسان إلى الحالة البدائية وكل سوف يدافع عن حقه بيده مما سيخلق صراعا بين إرادات مختلفة متصارعة وسيغيب التواصل الإنساني .
إنجاز أستاذ الفلسفة : كمال الزيان

تعليقات: 0
إرسال تعليق