-->

اعلان

مجزوءة : الوضع البشري درس الشخص

مجزوءة : الوضع البشري درس الشخص



    ما فتئ الإنسان يجد نفسه وحده من بين الكائنات يستطيع أن يعي ذاته ووجوده ووجود الموضوعات ، ويدرك زمانه ويحدد تاريخه ويدخل في حوار مع غيره .هذا الوضع الذي يمتاز به الإنسان ،عن سائر الموجودات ، جعله يتساءل ، هل هو شخص يتحدد بهوية أم يتحدد انطلاقا من الدور الذي يقوم به في المجتمع ؟ ما قيمته ؟ هل يخضع لضرورة ما أم أنه حر يعي استقلاليته ؟
    وإذا يممنا وجهنا شطر هذا الإنسان ونظرنا إلى علاقته بغيره ، وجدناه مماثلا له ويشبهه، وأحيانا أخرى، مختلفا ومتمايزا عنه مما دفعه للتساؤل عن كيفية تقديره – الآخر- وهل هو خصم وعدو له ينبذه ويقصيه أم أنه صديق يشاركه إنسانيته ؟ كيف يدرك وجوده ؟ وهل الغير ضروري ليعي (به) ذاته؟
    كما أن الإنسان حين نظر إلى نفسه ألفها سيرورة في التاريخ ، وصراع للإرادات والمصالح، ولما وضع بينه وبين هذه السيرورة مسافة وجعلها موضوعا للتفكير سعى إلى إعادة صياغتها قصد تدوينها ، لتصير معرفة تاريخية ، فاحتار فيما سيشهد عليه ليتساءل عما مدى موضوعية ما دونه، وكيف له أن يميز ذاته عن موضوعه ؟ وهل لسيرورة التاريخية قصدية ؟ ما موقعه في التاريخ ؟ هل وحده يصنع التاريخ أم أن التاريخ هو الذي يصنعه ؟
    إن هذه الإشكالات المطروحة في تقديم مجزوءة " الوضع البشري " تحيل إلى محاور مفاهيمه الأساسية ، الشخص والغير والتاريخ . ولعل الناظر بأجد نظر وأدقه فيها لواجد ،هو، أن النصوص المُُرفقة بالمحاور ، قد تتلاءم وهذه الإشكالات وقد لا تتلاءم ، كما قد تكون متعارضة مع " الوضعيات المشكلة " المطروحة مع كل مفهوم من مفاهيم المقرر الدراسي ، مما يطرح للمدرس مشاكل أثناء بناء الدرس وكذلك الأمر بالنسبة للمتعلم حين تتبع درسه، إذ قد ينتج عن هذا غياب التسلسل المنطقي أثناء إلقاء الدرس.
    وأول نص ألفيناه* بالمقرر المدرسي يُطرح كوضعية مشكلة يعالج إشكالية الشخص بين الضرورة والحرية ، وهذا الإشكال ، إشكال فرعي لمفهوم الشخص ويأتي بالمحور الثالث ، في حين يلزم أن تكون "الوضعية المشكلة"  عامة وشاملة للدرس وأن لا تنحصر في محور من محاوره . لذلك فإنه لم يتم " الاشتغال على النص بوصفه معالجة خاصة لموضوع الدرس أو الإشكالية الأساسية "(1) ومنه فإن النص ضيق دائرة الانفتاح على الإشكالية العامة للمفهوم .
    وإذا كان "الاشتغال على النص في تدريس مادة الفلسفة يُتناول من زاويتين ، إما بالنظر إليه كغاية في ذاته أو كوسيلة وأداة " (2) ، فإن هذا ما دفعنا للتساؤل عن أي الطريقتين سلكهما المقرر الدراسي " منار الفلسفة السنة الثانية من سلك البكالوريا مسالك : العلوم الشرعية واللغة العربية والعلوم التجريبية والرياضية وعلوم التكنولوجيا الكهربائية والميكانيكية والعلوم الاقتصادية والتدبير والفنون التطبيقية " في تناوله للنصوص الفلسفية ؟
    إن المتأمل في صفحات هذا الكتاب يجد مطالب تطلب من المتعلم من قبيل " أبني الإشكال .." أبني الأطروحة .." وهذه المطالب تعاد بصفة متكررة مرفقة بالنصوص ، مما يؤكد أن منزلة النص بالمقرر المدرسي ، قيد الدرس ، تتخذ صفة الاشتغال عليه كغاية في ذاته ، إذ مع كل نص يُطلب من المتعلم إبراز إشكاليته دون ربطها بالإشكالية العامة للمجزوءة من جهة وإشكالية المفهوم من جهة أخرى .
    وإذا كان الغرض من هذا البحث الوقوف عند منزلة النص في الكتاب المدرسي فإنه لابد أن نقوم بمقاربة للنصوص المدرجة بمحاور المفاهيم ومدى ملاءمتها لإشكالات المطروحة بالمجزوءة وكذا إشكالات المفاهيم .
    الباب الأول : الشخص
     أولا : مقاربة النصوص والإشكالات المتعلقة بمفهوم الشخص
                  المحور الأول : الشخص والهوية
    قد يعي الشخص أن له هوية دون الموضوعات الموجودة في الوجود ، فهو ليس كمثل الطاولة وما هو بالكرسي ..ويعلم أنه مختلف عن الكائنات الأخرى رغم مشاركته لها في بعض الصفات كالتنفس والمشي والحركة.. لذلك يبقى الشخص ، مع علمه بأن له هوية ، يتساءل عن ، من أين تستقي هذه الهوية خصوصيتها ، هل من الفكر والعقل أم من الإحساسات والأفعال أم من البعد الروحي الداخلي؟
    يضع المقرر ثلاثة نصوص تعالج هذه الإشكالات نص لجون لوك J.Locke  وآخر للفيلسوف الفرنسي ديكارت Descarte وكذلك نص لإمامويل مونييه E.Mounie ، وتذهب أطروحة الأول إلى اعتبار الشخص يستقي هويته الخاصة " انطلاقا من الشعور الذي لا ينفصل عن العقل "(3) في حين يقر الثاني بأن الشخص يمتلك هويته من " العقل الذي هو نور فطري ، يمثل جوهر الذات وبدونه لا يمكن للإنسان أن يعي وجوده ويبلغ الحقيقة "(4) .أما أطروحة مونييه  فتؤكد على أن هوية الشخص لا تتحدد أبدا " فبقدر ما يكون الشخص حاضرا في كل مكان فهو لا يوجد في أي مكان "(5).
    يتضح من خلال هذه النصوص على أن هناك ترابط منطقي يحكم الأطروحات بإشكالية المحور الأول ، لكن يغيب ربطها بإشكالية المفهوم أو الوضعية المشكلة.
    المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة        
      ترتبط إشكالية هذا المحور بالشخص بوصفه قيمة والسؤال الإشكالي المطروح هو ما قيمة الشخص ؟
     من خلال النص الأول للفيلسوف الأمريكي جون راولز J.Rawls نجد أن قيمة الشخص تتجلى من خلال مشاركته للآخرين في الحياة الاجتماعية مع وعيه بمفهوم العدالة وتصور مسبق لمفهوم الخير "(6) في حين نجد كانط Kant  يعتبر أن " قيمة الشخص تتحدد انطلاقا من عقله الأخلاقي العملي الذي يجعل منه قيمة في ذاته ولا يجعله وسيلة لبلوغ الأشياء "(7).أما هيجل F. Hegel  فينظر لقيمة الشخص الأخلاقية في سلوكه وامتثاله للواجب (8) .من هنا نستنتج كذلك ملائمة النصوص لإشكالية المحور .
    المحور الثالث : الشخص بين الضرورة والحرية
    بعدما تبين أن للشخص هوية متميزة تختلف التصورات حول خصوصيتها ، وأن له قيمة أخلاقية مرتبطة بالمجتمع ، يطرح إشكال آخر في المحور الثالث مفاده ، هل الشخص خاضع لضرورة ما أم أنه حر يعي استقلاليته ؟
    نجد في نص للمحلل النفسي فرويد S.freud بأن الشخص " كأنا " خاضع لقوى ثلاث ،" العالم الخارجي والأنا الأعلى و الهو وهو خاضع للاشعور"(9) ، في حين نجد الفيلسوف الهولندي اسبينوزا B.Spinoza يساير الطرح الفرويدي إذ يعتبر على أن الإنسان أو الشخص ليس حرا ، وإن ظن أنه حر ،  " فهو خاضع بالضرورة لرغبات الطبيعة وأي حرية خارج هذه الطبيعة فهي حرية ناقصة "(10) .
    يعارض مونييه E.Mounie  كل من الموقفين السابقين ويؤكد على " أن الإنسان هو الذي يقرر مصيره ولا يمكن لأي شخص آخر،فردا كان أو جماعة ، أن يقوم مقامه في ذلك ، لكن هذا لا يعني أنه حر بإطلاق بل حريته مشروطة بالمجتمع "(11).

    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة© philokamal 2019