تحليل ومناقشة قولة فلسفية ، منهجية القولة في مجزوءة السياسة
إنجاز أستاذ الفلسفة كمال الزيان
الموضوع الثاني :
" كل جهاز من أجهزة الدولة ،سواء كان قمعيا أم إيديولوجيا ،يشتغل ويؤدي وظيفته بالعنف وبالأيديولوجية في نفس الوقت. " إشرح مضمون القولة،ثم بين أبعادها.
تندرج هذه القولة في إطار مجزوءة السياسة ،خاصة مفهوم الدولة المحاور المتعلقة بمشروعية الدولة، والدولة بين الحق والعنف
ما فتئ المتأمل بالتنين أي الدولة كما نعتها الفيلسوف الإنجليزي هوبز يجد أن هذه الأخيرة لديها عدة مقومات تقوم عليها كما أن لها مجموعة من الأجهزة تؤدي وظائفها بها كي تعتبر دولة ، بما في ذلك الأجهزة الأمنية التي ترتبط بالعنف ، والإعلامية التي تخدم هذه الدولة عن طريق الإيديولوجية أو عبر التعليم لإثبات مشروعيتها ، لكن هل هذه الأجهزة الأمنية العنيفة ، والإعلامية المؤدلجة وحدها تؤدي وظيفة الشرعنة للدولة أم أن هناك وسائل أخرى كالحق والقانون ؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون العنف الذي تمارسه هذه الدولة عنفا مشروعا ؟
تنطلق القولة من أطروحة مفاده أن الدولة متمثلة بأجهزتها تمارس مشروعيتها عن طريق العنف والإيديولوجية في نفس الوقت ، وتطرح لنا ثلاثة مفاهيم رئيسية هي الدولة والعنف والإيديولوجية ويقصد بالدولة L’Etat ذلك التنظيم السياسي والاجتماعي والقانوني، كما أنه قد يعني الهيأة التي تسمو على مجموع الإرادات، ولتشكيله لا بد أن تتوفر هذه الشروط : المواطنون ، ومنطقة جغرافية، بالإضافة إلى الشخصية المعنوية (الحاكم) ،ثم قانون منظم والاستقلالية. أما المفهوم الثاني فهو العنف la violence الذي اشتق من الكلمة اللاتينية violentia أي الإسراف في استعمال القوة على الطبيعة أو على الأفراد ومحاولة إخضاعهم ،وقد ميز السوسيولوجي الفرنسي المعاصر بيير بورديو بين نوعين من العنف ، عنف مادي قد يتم على مستوى الجسد وعنف رمزي قد يكون مجرد نظرة دونية للآخر أو عبر الكلام الجارح أو عنف رمزي يمرر عبر عميلة نقل المعرفة كالإيديولوجيات أو عنف التي تمارسه وسائل الإعلام على المشاهد.أما المفهوم الثالث فهي الإيديولوجية Idiologie والتي تتكون في الدلالة الاتينية من شقين Idée وتعني الفكرة و logie التي ترتبط باللوغوس أي العقل والعلم، لكن هذا المفهوم سوف يعبر عنه بشكل سلبي خاصة مع الفلسفة الماركسية التي اعتبرته كل فكرة تريد تزييف الواقع وتضلل الناس .
وقد أتت القولة على شكل تأكيد على تلك المشروعية المستمدة من كل من المفهومين العنف أي استعمال القوة والإيديولوجيا أي تزييف الواقع ولمناقشة هذه القولة يمكن إدراج أطروحة السوسيولوجي الألماني ماكس فييبر الذي أشار إلى أن الغاية من تأسيس الدولة ،إنما هي الحفاظ على الأمن ، ووسيلتها لذلك هي العنف المادي المشروع ،حيث اعتقد ،هذا الأخير، أنه ( العنف المادي ) أنجع وسيلة في يد الدولة لكن ليس وسيلتها الوحيدة بل المتميزة، إذ انه لا بد –حسب فيبر- أن تكون للدولة آليات لقهر الأفراد وإخضاعهم لسلطتها ، ويشير فيبر إلى أن الدولة ليست وحدها فقط تمتلك ذلك العنف بل إن لها أجهزة يمكنها أن تساعدها على حفظ النظام ، لكن الاختلاف الحاصل بين أطروحة القولة وأطروحة ماكس فيبر هو أن هذا الأخير لم يشر إلى الإيديولوجيا .
يتعارض هذا الموقف المؤيد للأطروحة القولة مع أطروحات فلاسفة الحق الطبيعي أي اسبينوزا وهوبز ولوك وروسو ..خاصة أطروحة "باروخ اسبينوزا" الذي أشار في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة إلى أن الدولة لم تتأسس لترهيب الناس أو تخويفهم ،أو جعلهم كالآلات الصماء ،أو أن تمنعهم من حق التفكير والحكم، وإنما أسست لضمان حريتهم وأمنهم وحماية حقوقهم الطبيعية، كالحق في الحياة والحق في العمل ...وهذا ما أشار إليه الفيلسوف البريطاني " توماس هوبز" في كتابه التننين و الذي أكد أطروحة باروخ اسبينوزا حيث رأى أن الإنسان عرف حالة انتقال من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن ،وما دام أنه في حالة الطبيعة كان هناك صراع الكل ضد الكل وأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان فقد تم إنشاء الدولة ، بتعاقد كل الأفراد مع شخص واحد هو العاهل ليضمن حقوقهم ، شريطة التنازل عن حق الدفاع عن أنفسهم لصالحه ،فيتكفل بحمايتها بدلا عنهم ، كما يمكنه أن يوحد كل إراداتهم المختلفة والمتصارعة . إذن ، تستمد الدولة مشروعيتها حسب هوبز و اسبينوزا من خلال تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع شريطة ترك للدولة وحدها السلطة للتنظيم أو ردع الأفراد. من هنا نجد أطروحة السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر تؤيد أطروحة القولة .
.إن هذا الموقف-أي موقف القولة وماكس فيبر- يتعارض مع عدة مواقف فلسفية من بينها موقف الفيلسوفة الفرنسية جاكلين روس حيث ذهبت هذه الأخيرة في كتابها "نظريات السلطة " إلى القول: إن العنف ليس دائما هو السلطة التي يمكن أن تمتلكها الدولة لتنظيم المجتمع وخلق السلم بل هناك وسائل أخرى وهي الحق والقانون ،لذلك نجد جاكلين روس تتحدث في كتابها عن دولة الحق والقانون المتميزة بمجموعة من الصفات من بينها: أن تكون-في هذه الدول- حقوق الإنسان وكرامته فوق كل شيء كما يكون فيها كل الناس خاضعين لسلطة القانون مهما كان شأنهم في المجتمع ، وقد أشارت هذه الفيلسوفة إلى أن دولة الحق والقانون تتميز بثلاثة خصائص ذكرنا خاصيتين هما الحق والقانون ثم فصل السلط .
لا يوجد أي شرعية للعنف ولن يكون مشروعا مهما كانت مبرراته هذا رأي جاكلين روس كما أنه رأي الفيلسوف الألماني كانط ،الذي حاول أن يتجاوز كل أشكال العنف التي يمكن أن تحدث بين الأفراد والدولة ،حيث أنه في كثير من الأحيان قد تكون هناك أشكال للمعارضة العنيفة ،لكنه أدانها واعتبرها جريمة لأنها تهدم أساس الحكم ، كما أشار إلى أنه لا ينبغي على الشعب أن يشرع للقوانين نفسه بنفسه لأن التشريع خاص بالحاكم كما لا ينبغي عليه –الشعب –أن يثور على السلطة العليا لأن هذا يؤدي دائما إلى الفوضى .
إن دعوة كانط-هذه ليست دعوة للحكم الجائر أو الاستبدادي وإنما هي دعوة لإحلال السلام، ذلك أن القيمة التي تضيفها لنا هذه الأطروحة هي نبذ كل أشكال العنف على اعتبار أنه دائما يكون في المجتمع أفراد حاقدين على السلطة يبررون عنفهم اتجاهها بالمعاملة غير اللائقة من طرفها، كما أن الدولة في بعض الأحيان تلجئ للعنف تحت ذريعة حفظ الأمن . .
وإذا كان هنا كانط ينبذ كل أشكال العنف فهذا ما أشار إليه كذلك الزعيم السياسي الهندي غاندي في رسائله إلى أشرم ( أحد الزعماء السياسين ) حيث رأى ،هو الآخر أن العنف ما هو إلا إرادة سيئة تسعى إلى نشر الكراهية والحقد بين الناس وإلحاق الضرر بمن نعتبرهم خصوما ،وقد دعا إلى مواجهة كل أشكاله،-بما في ذلك عنف الاستعمار البريطاني للهند- بالا عنف حيث قال : إنه مستعد للدفاع عن أرضه ويفل سيف العدو ليس بقوة فيزيائية بل بقوة روحية اخلاقية ".
اختلفت ، إذن تصورات الفلاسفة حول مشروعية العنف الذي تمارسه الدولة وأجهزتها على الأفراد سواء كان هذا العنف ماديا ظاهرا أو رمزيا مختفيا على شكل فكرة مزيفة كما أشارت إلى ذلك القولة لكنهم لم يختلفوا حول مسالة أن الغاية من تأسيس الدولة هي الحفاظ على حقوق الناس وكرامتهم لذلك فإن الغرض الأساسي الذي يجب على كل الدول أن تنهجه هو حفظ كرامة الناس وأن تستعمل هذه الدولة أجهزتها الإعلامية ، وإيديولوجياتها، ليس لتزييف الواقع وإنما لتغييره إلى الأحسن ولا مانع من عنفها إذا كان لصالح خير كل الناس ،وأن يكون هؤلاء على وعي بهذا التغيير العقلاني .

ردحذف▲
جميع الحقوق محفوظة©