إنجاز أستاذ الفلسفة كمال الزيان
الموضوع الثالت :
يندرج النص في إطار مجزوءة السياسة ، مفهوم العنف ،خاصة محور العنف في التاريخ وأشكال العنف ، وإذا كان العنف هو الإسراف في استعمال القوة على الطبيعة والإنسان..فما هي أسباب وجوده في التاريخ ؟ وهل يمكن اعتبار العنف فطري في الإنسان أم أنه مكتسب ؟
يشير النص إلى أطروحة مفادها أن العنف شيء مكتسب ، وذلك لأنه عرف تغيرا عبر التاريخ ،كما أنه يختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر .أما بالنسبة لسبب وجوده -أي العنف- فقد أكد صاحب النص أنه لما كان شرف الرجل يتوقف مباشرة على شرف أسرته في كثير من المجتمعات قبل الحديثة ،فإن هذا ما استوجب التمسك التاريخي به مهما كان الخطر المترتب عن ذلك .
وقد أعطى صاحب النص تصورا تاريخيا تتبع من خلاله أشكال العنف وتطوره عبر التاريخ ، حيث أن هذا الأخير كان في المجتمعات الأبوية ؛ أي المجتمعات التي تكون فيها السلطة في يد الأب بصفة خاصة والرجل بصفة عامة ، موجها ضد النساء لأنهن كن مثل أي منقول من المنقولات التي توجد بحيازة ، الرجل ، لكن هذا العنف قد تغيرت طبيعته ، من خلال أن الرجال لم يصبحوا يعاملون المرأة ،خاصة المرأة الفاضلة ، كبضاعة بل أصبح يُتعامل معها باحترام ومودة ، ومن هنا انتقل العنف من عنف على المرأة إلى عنف على الرجال .
هذا العنف سيزيد بظهور ما سماه صاحب النص بالدفاع عن الشرف الذي ارتبط بالمرأة التي انتقلت من منقولة من المنقولات إلى فرد من الأسرة ،هذه الأخيرة إذا ما تم تلويث شرفها ،سقطت سمعتها..وهذا ما دفع بالرجال –حسب صاحب النص- للدفاع عن هذا الشرف عبر التاريخ خاصة في المجتمعات القبيلة العصبية التي يتوقف شرفها على شرف المرأة .
ويرى صاحب النص أن هذه الممارسات العنيفة قد قلت في الأزمنة الحديثة ،على نطاق عالمي ، وبدأت الجهود للحد منه ، وذلك عن طريق دعوات إحلال السلم خاصة في الدول المتقدمة .
وقد قدم لنا النص قيمة تاريخية تتمثل في رصد تطور مفهوم العنف ، وهذا يبدو واضحا من خلال إعطائه مجموعة من الأمثل المختلفة باختلاف فترات التاريخ ، المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات الأبوية التي كان يسيطر فيها الرجل على المرأة نفسيا وجسديا ، ثم العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات القبلية التي أصبح الصراع فيها بين الرجال على شرف الأسرة وصولا إلى المجتمعات الحديثة التي بدأ العنف ، وكل أشكال السيطرة تتضاءل ، بالإضافة إلى الأمثلة المقدمة ،التي تعد كبنية حجاجية ، فقد استعمل صاحب النص أساليب أخرى تتمثل في تحديده (تعريفه) لمجموعة من المفاهيم كالعنف الذي اعتبره كآلية عقاب مهمة في يد السلطة الأبوية وقلما كان في يد غيرها ثم مفهوم الشرف الذي يعد السبب الرئيس لاستمرار العنف في التاريخ والمرتبط بالدفاع عن المرأة من طرف الرجل ضدا على رجل آخر..كما أدرج صاحب النص مجموعة من التقابلات المتعارضة فيما بينها كالعنف والمودة والحب..ثم تفسيره لمجموعة من الأمور المتعلقة بالعنف في المجتمعات ...
وإذا كان صاحب النص يقر بأن العنف مكتسب وغير فطري ،فإن السوسيولوجي الألماني إيريك فروم لم يشُد عن هذا الموقف ، إذ نجده يساير هذا الطرح ، حيث ذهب إلى اعتبار أن التدمير ليس سلوكا ينتج بصفة عملية عن غريزة تدميرية توجد في طبيعة الإنسان بقدر ما ينتج عن دوافع ونزعات خارجة عن ذاته وفطرته ،هذه العوامل هي عوامل خارجية رافقت الإنسان عبر التاريخ ، وارتبطت بأبعاد ثقافية ودينية .
وقد أشار "فروم إلى بعض هذه العوامل مثل؛ الارتباط القدسي بالدم ، وتعطش الإنسان له واعتباره مادة الحياة ،حيث كانت عدة شعوب تتلذذ برؤية الدم وتضفي على هذه الطقوس قدسية ، وهذا ما أدى إلى ظهور العنف ، كما قدم "فروم " بعض العوامل الموضوعية تمثلت في الحروب والنزاعات الدينية والسياسية والفقر والازدحام السكاني بالإضافة إلى الروتين وفقدان قيمة الفرد ...كل هذه العوامل ساهمت في شحن الطاقة التدميرية للإنسان وجعلت العنف يستمر عبر التاريخ .
خلافا لهذا الموقف الذي أيد صاحب النص يمكن الإشارة كذلك إلى أطروحة أخرى معارضة ، وهي أطروحة العالم الفيزيولوجي "كونراد لورنتز " الذي رأى أن العنف ، شيء فطري في الإنسان ، بل إن عنفه يفوق عنف الحيوان ؛ فالحيوان لديه قوى كابحة للعنف تجعل منه يكتفي بهزم خصومه وطردهم من منطقته دون قتلهم ، لكن الإنسان تعوزه هذه القوة الكابحة ،لذلك نجده لا يكتفي فقط بإخضاع خصومه فقط بل قد يصل إلى مستوى الإبادة .
وجوابا عن السؤال الإشكالي المتعلق بالسؤال الأول الذي أشرنا إليه في التقديم حول أسباب العنف في التاريخ والذي أجابنا من خلاله صاحب النص، والذي حددها في الدفاع عن الشرف ،فيمكن الاستئناس بأطروحتين مختلفتين ، أطروحة الفيلسوف الماركسي " فريدريك إنجلز " والسوسيولجي الفرنسي " روني جيرار " ، حيث أشار الأول إلى أن أسباب استمرار العنف في التاريخ هي ، الصراع الطبقي الذي يدفع دائما بالتاريخ نحو التقدم ، مرورا بالصراع بين العبيد والأسياد كمرحلة أولى هي مرحلة العبودية مرورا بالصراع بين الأقنان والإقطاعيين في المرحل الإقطاعية ثم المرحل الثالثة التي يكون فيها الصراع بين البرليتاريا ، أي الطبقة العمالية والبرجوازية في المرحلة الرأسمالية ، وأخيرا، الوصول إلى الاشتراكية التي تمحي خلالها الطبقات.
وقد أشار " إنجلز " إلى نوعين من العنف هما العنف السياسي والعنف الاقتصادي " هذا الأخير هو الذي يحدد دائما الثاني .
وإذا كان" إنجلز " أشار إلى أن أسباب العنف في التاريخ ناجمة عن الصراع الطبقي ، فإن " روني جرار أشار إلى أطروحة معارضة لأطروحته –أنجلز – ومؤيدة ،نوعا ما لأطروحة النص ، حيث أكد على أن أسباب العنف ليست اقتصادية ،وإنما هي الرغبة التنافسية الموجودة في الإنسان ،حيث إن الرغبات الإنسانية هي دائما رغبات تتجه إلى موضوعات يرغب فيها ناس آخرون ، بل الأكثر من ذلك ،كلما كان هناك موضوع ما يرغب فيه الآخرون بشدة كلما ازدادت رغبتنا فيه نحن أيضا ..ومنه يصبح التنافس صراعا شخصيا وتتنامى احتمالات العنف ،لأن الصراع الإنساني هو بالأساس صراع ناجم عن التنافس ...
إن سبب تنامي العنف واستمراره في التاريخ البشري يرجع –حسب جيرار " إلى خاصية أساسية تميز التنافس البشري عن التنافس الحيواني ،فلدى الحيوان قد ينتهي التنافس بمجرد سيطرة الأقوى على الأضعف .أما لدى الإنسان فالأمر مختلف ، لأن الناس لا يخضعون تلقائيا ،بل يمارسون عنفا لا ينتهي ، إذ حتى لو انهزموا فإنهم يؤجلون الانتقام ، إلى حين يقومون به هم أنفسهم في المستقبل ،أو يورثونه لأبنائهم أو الأجيال اللاحقة ، كما تفعل بعض المجتمعات التي تسمي هذه العملية بالثأر ،حيث يتحول العنف إلى قضية جماعية وإلى عنف معد ينتشر من فرد لآخر ومن جماعة لأخرى ..وهذا ما يؤدي إلى مذابح جماعية تولد بدورها رغبات جديدة في الانتقام .
ومن بين الحلول التي توصلت إليها البشرية لوقف هذا العنف ، والتي أشار إليها جيرار-لجأ الناس إلى التضحية بأضحية "حيوانية أو بشرية بهدف إسقاط العنف الجماعي عليها حتى تنعم الجماعة بالسلام ، تم نقل العداء إلى ضحية واحدة حاملة لكل الرغبات المتنافسة والتي تجسد –رمزيا –موضوع كراهية جماعية فالفدية المضحى بها تُضفى عليها صبغة العدو المشترك .وبذلك يتم إيقاف الصراع بين الطوائف ..إن هذا السلوك هو أصل كل الطقوس التعبدية القديمة وآخر ما يدل عليها في الزمن المعاصر هو ما يصطلح عليه بكبش الفداء .
من خلال تحليلنا ومناقشتنا لهذا النص ، ومن خلال عرض الأطروحات المناقشة ، يمكن اعتبار أطروحة روني جرار ، أطروحة أكثر واقعية ، حيث إذا نظرنا إلى قيمتها التاريخية فإنها قدمت لنا تصورا مقنعا أكثر حول مسألة أسباب استمرار العنف في التاريخ .
فإذا نظرنا إلى أطروحة النص فيصعب حاليا أن نقول إن أسباب العنف في التاريخ هي الدفاع عن شرف المرأة لأن هذا الأمر قد يحدث فقط في المجتمعات القبلية .. كما أنه قد يكون الصراع الطبقي هو سبب العنف-كما أشار " إنجلز- لكنه ليس دائما لأن المجتمعات التي تكون فيها الخيرات والموارد الطبيعية كثيرة لا يمكن لها أن تعرف الصراع الطبقي –دول الخليج مثال على ذلك- أما بالنسبة لأطروحة جيرار فإن أسباب العنف هي التنافس الحاصل بين الأفراد والدول .وهذا صحيح حيث أن ما وقع في التاريخ من صراع بين الطوائف الدينية ومحاولة انتقام كل طائفة من الأخرى هو ما دفع باستمرار العنف في التاريخ.. وخير مثال على ذلك الصراع التاريخي الذي حدث وما زال يحدث في العراق بين السنة والشيعة ..والبروتيستانيين والكاتوليك في الغرب ..المسلمين والمسييحيين...المسيحيين والمسلمين...اليهود والمسلمين في العالم ...الرفاق الماركسيين ..والإسلاميين...
إن اعتقاد كل هؤلاء في وجود حقيقة واحدة هو سبب العنف ،وهذا ما دفعهم إلى التمسك التاريخي به ومحاولة انتقامهم ، ليس من بعضهم البعض فقط بل ، إن عنفهم هذا طال أناسا أبرياء .وإذا كنا هنا وقفنا على أسباب العنف في التاريخ ، فالسؤال الحقيقي ليس هو ما هي أسباب العنف ؟ ولكن السؤال الحقيقي والذي ينبغي طرحه هو ما هي السبل لتجاوز العنف ؟!!...

تعليقات: 0
إرسال تعليق