-->

اعلان

الحجاج والبرهان الحجاج والخطابة الحجاج والجدل

 الحجاج والبرهان الحجاج والخطابة الحجاج والجدل

    شكل التقابل بين البرهان والحجاج محط اهتمام العديد من الباحثين على مر العصور، "فالأقدمون فرقوا بين البرهان الحجاج فقالوا بأفضلية الأول لكونه يتألف من مقدمات يقينية مضمونا في الوقت الذي تبقى فيه المقدمات الجدلية ظنية، فالفرق بينهما يعود بالأساس إلى طبيعة المقدمات لا إلى صرامة الاستنتاج"[13]. فلا غرابة إذا كان الجدل عندهم يستعمل مع القاصرين عن إدراك البرهان، وذلك لإلزام الخصم وإفحامه. أما البرهان فهو يرمي إلى إثبات الصحة، وهو ينظر في القضايا بحد ذاتها.
    لذلك فالبرهان نمط استدلالي ينفرد بمميزات خاصة كاليقين والقطيعة والدقة، وهذا ما أثبته ابن منظور بقوله: "البرهان الحجة الفاصلة – البينية- يقال برهن يبرهن برهنة، إذا جاء بحجة قاطعة لرد الخصم"[14]. وفي هذا التعريف يصنف ابن منظور البرهان كنمط من الحجاج بمميزات خاصة، فالبرهان هنا الإتيان بدليل قاطع لإثبات صحة الدعوى حتى لا يكون فيه شك واحتمال، (أي أن مجال البرهان اشمل من مجال الحجاج)، وفي هذا يقول طه عبد الرحمان: "يطلق على الحجة أسماء أخرى مثل الدليل والاستدلال وحتى البرهان، لكن هذا الإطلاق من باب التجاوز والتوسع"[15] ويعرف البرهان في موضع أخر فيقول: "البرهان هو الاستدلال الذي يعنى بترتب صور العبارات بعضها على بعض بصرف النظر عن مضامينها واستعمالاتها، وهو شبيه بالحجة لمجردة"[16].
    وأغلب الدراسات والبحوث التي لها صلة بموضوع الحجاج كانت تميزه عن البرهنة، وتبين التعارض القائم بينهما، فمجال الحجاج هو المحتمل وغير المؤكد والمتوقع، وهو لصيق دوما بالخطاب وباللغات الطبيعية، أما البرهنة فمجالها المنطق واللغات الاصطناعية الرمزية بشكل عام، والمصطلح الجامع الذي يشملهما هو الاستدلال، فكل حجاج استدلال، وليس كل استدلال حجاجا، وكذلك كل برهنة أو استنباط أو قياس تعتبر استدلالا والعكس غير صحيح[17].
    من خلال كل ما سبق يمكن أن نخلص إلى أن الحجاج يختلف عن البرهان من وجوه نجملها في:
    الحجاج موجه دائما إلى مخاطب، كيف ما كان، فهو يقتضي وجود طرفين متنازعين ينطلقان من الاختلاف بحثا عن الاتفاق بطريقة الإقناع، أما البرهان فهو يحدد بكونه استنتاجا قائما على قواعد مضبوطة ومحددة سلفا اعتمادا على قضايا هي أما مسلمات أو مبرهنات.
    الغرض النهائي من الحجاج هو الإقناع، أما غاية البرهان هي الصحة المنطقية.
    يستند الحجاج إلى اللغة الطبيعية في الوقت الذي ينبني فيه البرهان على ما هو اصطناعي في صوري.
    كثيرا ما يتداخل مفهوم الجدل مع مفهوم الحجاج، وإن كان لكل مجاله الخاص، فابن منظور يقول: "...وهو رجل محجاج أي جدل"[18]، أي أن مفهوم الحجاج هنا يفيد الخصام والنزاع بواسطة الحجج، وهذا هو الجدل بعينه، وذلك أن هذا الأخير يفيد المحاورة أو استعراض الأفكار المتناقضة حول موضوع ما، وهو تبادل الحجج والأفكار وتبادل وجهات النظر المختلفة من أجل الوصول إلى الحقيقة، أو هو ذلك الجدال بين طرفين دفاعا عن وجهة نظر معينة.
    ففي اللغة نجد أن الجدل يحمل معنى المخاصمة والمناظرة، فالجدل هو "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وهو علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلا أو هدم أي وضع يراد ولو حقا"[19] أي الجدل يحمل في ذاته تحقيق الغلبة والتفوق لأحد الأطراف وإلحاق الهزيمة بالخصم.
    وبذلك يكون الجدل في أحد أوجهه حجاجا، ذلك أنه يستعمل اللغة في المنازعة والمغالبة وحينئذ يصبح معادلا للحجاج، إلا انه أوسع منه مجالا، باعتبار أن الفرض من الجدل هو إلزام الخصم والتغلب عليه، في حين أن الحجاج لا يلزم الخصم على الإذعان والقبول، بل يترك له حرية الاختيار فإن اقتنع بحججه يدعن، أما إذا لم يقتنع فمن حقه الرفض والاعتراض.
    وبهذا يخرج الحجاج من دائرة الجدل التي حاصرته وضيقت مجاله والذي قيل عنه أنه مجال يشتمل على الأمور غير اليقينية والممكنة وأن الحجاج في بعض وجوهه جدل، غير أنه أوسع وأشمل منه.
    يتداخل مفهوم الحجاج و الخطابة والجدل إلى الحد الذي يصعب الفصل بينهما. فالحجاج الخطابي هو من قبيل ما عرض له أرسطو في كتابه "الخطابة"، ففي هذا الكتاب يعرف أرسطو الخطابة بأنها "قوة أو ملكة نستطيع أن نكتشف بها على وجه نظري أو تأملي ما يمكن من شأنه الإقناع في كل حالة على حدة"[20]، فالخطابة عند أرسطو مدارها إنتاج قول نبتغي به الإقناع في مجال المحتمل والمسائل الخلافية القابلة للنقاش. وإذا كان الحجاج لغاية التأثير النظري والعقلي، فإن الخطابة تتعداه إلى التأثير العاطفي والى إثارة المشاعر والانفعالات والى إرضاء الجمهور واستمالته، ولو كان ذلك بمغالطته وخداعه. ولذلك يرى أرسطو بأن الإقناع قد يحصل بالسمات والطبائع وأن الإقناع يحصل حين يهيأ المستمعون ويستميلهم القول الخطابي حتى يشعروا بانفعال ما[21].
    إذن من خلال ما سبق يتبين لنا أن الحجاج مرتبط بإقناع المتلقي، فاستخدام الحجاج في الخطاب هو من أجل، إقناع المتلقي بفحوى الخطاب باعتماد الحجج والبراهين، أما الخطابة فغرضها إقناع المتلقي عن طريق التأثير على عواطفه وانفعالاته واستمالته من أجل الخضوع والتصديق.


    ملاحظة بالنسبة للأرقام وسعيا منا للحفاظ على الأمانة العلمية هي مراجعة ويمكن اعتمادها كمصادر داخل المقال مع مراعاة التصنيفات في كل بحث

    [1]التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، مديرية المناهج، نونبر 2007، ص ص 3-4.
    [2]ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير ومحمد احمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، المجلد الثاني، الجزء التاسع، د.ت، مادة (حج ج)، ص779.
    [3]المصدر نفسه، مادة (ج ج ج)، نفس الصفحة.
    [4] علي بن محمد الجرجاني الحنفي، كتاب التعريفات، تحقيق: نصر الدين تونسي، القدس للتجديد، القاهرة، ط1،2007، ص140.
    [5] Le grand Robert, Dictionnaire de la langue française, Paris, 1989, P 53.
    [6]Ibid.P 52.
    [7] إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983م، ص67.
    [8] اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت، المجلد الأول، (G-A)، ط2، 2001، ص93.
    [9] أبو بكر العزاوي، حوار حول الحجاج، الاحمدية للنشر، الدار البيضاء، ط1، 2010، ص83.
    [10] طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، ص226.
    [11]  طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص65.
    [12]المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
    [13] حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2013، ص98.
    [14] ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ص271.
    [15] طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، مرجع سابق، ص226.
    [16] طه عبد الرحمان، في أصول وتجديد علم الكلام، مرجع.سابق، ص 57.
    [17]المرجع نفسه، ص57.
    [18] ابن منظور، لسان العرب، مصدر سابق، ص779.
    [19] أبو بكر العزاوي، حوار حول الحجاج، مرجع سابق، ص87.
    [20] أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2008، ص15.
    [21] نفس المرجع، ص ص 15-16.
    [22] هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو، ضمن كتاب: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، لفريق البحث والبلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، منشورات كلية الآداب، منوبة، تونس، سلسلة الآداب، 1998، ص142، نقلا عن:
    Alfarabi, ouvrages imédiate sur la rhétorique, publication préparée par J. langhad et M. Gignnashi, dar almachreq, bayrouth, 1971, P31.
    [23] نفس المرجع، ص 144.
    [24] أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2008، ص16.
    [25]المرجع نفسه، ص ص 16- 17.
    [26]المرجع نفسه، ص16.
    [27] جميل حمداوي، من الحجاج إلى البلاغة الجديدة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2014، ص26.
    [28]ChaimPerelman et lucieOlbrechts-Tyteca, traité de l’argumentation, 5ème édition de l’université de bruwelle, 1992, p.5.
    نقلا عن عبد الله صولة، الحجاج أطره ومنطلقاته من خلال مصنف في الحجاج، مرجع سابق، ص299.
    [29]المرجع نفسه، نفس الصفحة.
    [30] المرجعنفسه ، ص301.
    [31] ابن منظور، لسان العرب، مرجع سابق،  ص4133.
    [32] أبو الحسن احمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، المجلد الخامس، دار الجيل بيروت، الطبعة الاولى، 1991م، ص296.
    [33] محمد العمري، في بلاغة الخطاب الاقناعي، مدخل نظري لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن نموذجا، إفريقيا الشرق 2002، الطبعة الثانية، ص82.
    [34] المتكلم بشكل عام والذي يقابله المخاطب أو المتلقي.
    [35] عبد القادر الجرجاني: أسرار البلاغة، شرح وتحقيق محمد عبد المنعم جفاجي ومحمد عزيز شرف، دار الجيل، بيروت، الطبعة الاولى،1991، ص ص 118-119.
    [36] محمد العمري، في بلاغة الخطاب ألإقناعي، مرجع سابق، ص82
    [37]أبو نصر الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت، 1993، ص ص 41-42.
    [38] سنعود إلى توضيح ذلك في الفصل القادم
    [39] شارل برلمان، التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، ترجمة حمو النقاري، مجلة المناظرة ،عدد 1 ، 1989، ص128.
    [40] محمد سعيد احمد زيدان، المثال الشارح مدخل لتعليم التفلسف، سفير الإعلام والنشر، الطبعة الأولى، 2000م، ص42.
    [41] بناصر البوعزاتي، الصلة بين التمثيل والاستنباط، مقال ضمن التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 134، ص
    [42] شارل برلمان، التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، مرجع سابق ص135.
    [43] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان،1982،ج1، ص341.
    [44]المرجع نفسه، ص343.
    [45]  الطاهر وعزيز، المناهج الفلسفية، المراكز الثقافي المغربي، الطبعة الاولى، 1990، ص50.
    [46]المرجع نفسه، ص53.
    [47] سنعود إلى هذه الوظائف في المحور القادم.
    [48] معجم لالاند، مرجع سابق، ص44.
    [49] الطاهر وعزيز، المناهج الفلسفية، مرجع سابق، ص51-52.
    [50] محمد سعيد احمد زيدان، المثال الشارح مدخل لتعلم التفلسف، مرجع سابق، ص12.
    [51] شارل برلمان، الاستعارة والتمثيل في العلم والشعر والفلسفة، مرجع سابق، ص 130.
    [52] أورده بناصر البوعزاتي في مقاله: الصلة بين التمثيل والاستنباط، مرجع سابق، ص 31.
    [53] نفس المرجع، ص28.
    [54]- رونيه ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، دار الثقافة للنشر، القاهرة، د.ت. ص ص 43-44.
    [55]- عثمان أمين ضمن: رونيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة  عثمان أمين، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2009.
    [56]- فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، مكتبة مصر، د.ت، ص 122.
    [57]- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2010، ص 90.
    [58]-فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، مرجع سابق، ص 126.
    [59]- المرجع نفسه، ص 127.
    [60]- إميل برييه، تاريخ الفلسفة : القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1993، ص 84.
    [61]- فؤاد زكرياء، آفاق الفلسفة، مرجع سابق، ص 127.
    [62]  رونيه ديكارت،التأملات في الفلسفة الأولى، مرجع سابق، ص 104.
    [63] نص جون بيير فرنان، ص 13.
    [64]نص فريدريك نيتشه، ص  15
    [65]نص أبي الوليد بن رشد ،ص 26
    [66] نص رونيه ديكارت، ص 28.
    [67]نص برتراند راسل، ص 30.
    [68]نص كارل ياسبرس ، ص 42.
    [69]نص ايمانويل كانط، ص 57.

    [70]نص إريك فايل، ص 58.



    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة© philokamal 2019