بعد هذه القراءة السريعة لمفهوم الحجاج
الفلسفي وكذا تتبع مسار تحولاته عبر التاريخ خلال مراحله، والتي تعرفنا بشكل صريح
على مفهوم الحجاج وعلاقته بالبلاغة في الدرس الفلسفي باعتبارها علاقة حميمية لا
يمكن فيها لأحدها الاستغناء عن الأخر، خاصة في مادة الفلسفة، نعود خلال هذا المحور
لنتمم عملنا في التعرف على مكانة الحجاج لكن هذه المرة في الوقوف على نموذج من
أدواته ألا وهي المثال، باعتباره نافدة هامة لاكتشاف وإبراز أواصر الحجاج بالبلاغة
في المتن والدرس الفلسفي.
خلال هذه المرحلة سنعمل على تعريف المثال
والمثال الفلسفي كما سنبرز مكانته داخل الحجاج الفلسفي والفلسفة ككل بالوقوف عند
دلالته الاصطلاحية والفلسفية، وكذلك من خلال الكشف عن جملة من المفاهيم التي
تتقاطع مع المثال، لكي تظل مخلصة لوظيفة المثال في الدرس الفلسفي مثل التمثيل
والمماثلة والأمثولة، ومنه سنمر للحديث عن أدوار المثال في الفلسفة وتبيان وظائفه
الأساسية والهامة.
إن أي خوض في موضوع تعريف المثال لا تتم إلا
بالرجوع والعودة إلى المعاجم الأصلية لتحديد دلالته الأولى قبل معانيه المتفرقة
والعديدة، وهو ما عملنا عليه، إذ أننا بحثنا في قاموس لسان العرب لابن منظور الذي
يرى أن: "المثال ينحدر من فعل مثل، ومثل له الشيء أي صوره حتى كأنه ينظر
إليه، ومثل الشيء ساواه به وجعله مثله وعلى مثاله"[31]،
من خلال هذا التعريف نرى بأن المثال هو أن نضع شيء نظيرا وصورة مشابهة ومقابلة له،
والفعل مثل وكما يؤكد ذلك أبو الحسن أحمد ابن الحسن هو: "مثل، الميم
والتاء واللام ، أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء وهذا مثل هذا أي نظيره والمثل
والمثال في معنى واحد"[32].
بناء على ما سبق فالمثال هو مقارنة ومناظرة
بين شيئين أو صورتين أو معنيين، الهدف منه هو شرح الصورة الأولى بواسطة الثانية من
أجل أن يحصل الفهم والإدراك عن طريق المخيلة، لأن القبول بالصورة الثانية الواضحة
والمتميزة هو قبول بالأولى التي يتجلى فيها الغموض واللبس، بعد أن يتم فهم التقابل
والمقارنة بين أوجه الشبه والإدراك هنا يحصل عن طريق علاقة التشابه، باعتبارها حجة
ودليل لأن المثال "حجة تقوم على المشابهة بين حالتين في مقدمتهما،
ويراد بها استنتاج أحداهما بالنظر إلى نهاية مماثلتها"[33].
المثال هو بمثابة الدليل الذي يلجأ إليه
المتكلم[34] لإثبات
معانيه بالشرح والتوضيح، بغية التأثير في المخاطب وإقناعه بفكرته "بما
اتفق عليه العقلاء أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت باختصار في معرضه
(...) كساها أبهة، ورفع من أقدارها وشب نارها وضاعف قواها في تحريك النفوس لها
ودعا القلوب لها (...) إذا كان مدقا كان أبهى وأفحم (...) وإذا كان حجاجا كان
برهانه أنور وسلطانه اقهر وبيانه ابهر"[35].
المثال شيء واقعي أو حدث واقعي يسمح لصاحبه
بتوضيح أفكاره تجاه قضية ما ، بحث يعمل وبواسطة المثال على ترجمة المعاني المجردة
والدلالات المبهمة إلى صور مجسدة وواضحة ومقبولة لدى المتلقي فيتلقاها ويستجيب
لها،وأهميته في ذلك هي توسيع نطاق المعارف ووسائل فهمها واستيعابها هذا إلى جانب
الاعتراف بأن المثال دعامة كبرى من دعائم الخطابة لهما يحققه من نتائج وأدوار
إذ " يقوم مقام الاستقراء في المنطق أو المثال استقراء بلاغي "[36]إنه
حجة بلاغية قائمة على المشابهة بين حالتين أو متماثلين تهدف إلى تبيان أوجه
التقارب لحصول الإدراك، وتستخدم في الاكتشاف مثلما يستعمل في الإقناع أو العرض
المبسط للقضايا.
ملاحظة بالنسبة للأرقام وسعيا منا للحفاظ على الأمانة العلمية هي مراجعة ويمكن اعتمادها كمصادر داخل المقال مع مراعاة التصنيفات في كل بحث
[1]- التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، مديرية المناهج، نونبر 2007، ص ص 3-4.
[2]ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير ومحمد احمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، المجلد الثاني، الجزء التاسع، د.ت، مادة (حج ج)، ص779.
[4] علي بن محمد الجرجاني الحنفي، كتاب التعريفات، تحقيق: نصر الدين تونسي، القدس للتجديد، القاهرة، ط1،2007، ص140.
[7] إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983م، ص67.
[8] اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت، المجلد الأول، (G-A)، ط2، 2001، ص93.
[10] طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، ص226.
[11] طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص65.
[13] حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2013، ص98.
[22] هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو، ضمن كتاب: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، لفريق البحث والبلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، منشورات كلية الآداب، منوبة، تونس، سلسلة الآداب، 1998، ص142، نقلا عن:
Alfarabi, ouvrages imédiate sur la rhétorique, publication préparée par J. langhad et M. Gignnashi, dar almachreq, bayrouth, 1971, P31.
[28]ChaimPerelman et lucieOlbrechts-Tyteca, traité de l’argumentation, 5ème édition de l’université de bruwelle, 1992, p.5.
نقلا عن عبد الله صولة، الحجاج أطره ومنطلقاته من خلال مصنف في الحجاج، مرجع سابق، ص299.
[32] أبو الحسن احمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، المجلد الخامس، دار الجيل بيروت، الطبعة الاولى، 1991م، ص296.
[33] محمد العمري، في بلاغة الخطاب الاقناعي، مدخل نظري لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن نموذجا، إفريقيا الشرق 2002، الطبعة الثانية، ص82.
[35] عبد القادر الجرجاني: أسرار البلاغة، شرح وتحقيق محمد عبد المنعم جفاجي ومحمد عزيز شرف، دار الجيل، بيروت، الطبعة الاولى،1991، ص ص 118-119.
[39] شارل برلمان، التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، ترجمة حمو النقاري، مجلة المناظرة ،عدد 1 ، 1989، ص128.
[40] محمد سعيد احمد زيدان، المثال الشارح مدخل لتعليم التفلسف، سفير الإعلام والنشر، الطبعة الأولى، 2000م، ص42.
[41] بناصر البوعزاتي، الصلة بين التمثيل والاستنباط، مقال ضمن التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 134، ص
[55]- عثمان أمين ضمن: رونيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2009.
[57]- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2010، ص 90.
[60]- إميل برييه، تاريخ الفلسفة : القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1993، ص 84.

تعليقات: 0
إرسال تعليق