تعتبر الفلسفة فكرا مفهوميا يقوم على بناء
المفاهيم والاشتغال عليها، وهذا هو الحال أيضا للدرس الفلسفي داخل حجرة القسم، فهو
الأخر يجعل من المفهمة محطة أساسية مادام يعتمد المقاربة المفاهمية التي تحصر في
جميع مستويات بناء الدرس، ومعالجة النصوص، وقراءة المفهوم، والإنشاء الفلسفي...
غير أن هذه المقاربة تثير العديد من الصعوبات وتطرح الكثير من الغموض علما بان
الخطاب الفلسفي يتميز عن غيره من الخطابات بالتحديد والصرامة المنطقية
والاستدلالية لهذا تطرح الضرورة بإلحاح إلى الاستعانة بأساليب اقل لبسا وغموضا
لتيسير عملية الفهم.
نعلم جيدا كل الصعوبات التي يطرحها القول
الفلسفي لكن كلها تذوب حيث يلجأ الفيلسوف إلى لحظة المحاججة في تفكيره التي تقدم
موقفه ومنظوره لقضية ما، أو تعمل على ترجمة معاني مفهوم جديد، لهذا نجده بالضرورة
يلجأ إلى الأساليب البلاغية من خطابة وجدل وحجاج قائم على جملة من الأساليب
كالاستعارة والمجاز والمثال، وموضوعنا في هذا البحث اقتصر على وظائف المثال ودوره
في تقديم المفهوم وكذلك وظائفه في بناء الدرس الفلسفي والدفع به قدما نحو تحقيق
الغايات المستهدفة.
يشكل المثال قنطرة لا غنى عنها في العبور
والانتقال بين تجريدية المفهوم و واقعيته، بحيث ينطلق من المشهور والمألوف
والمعتاد لدى المخاطب ليبني المجرد أو ليقرب صورته من دهن المتلقي /المتعلم،
إذن "فالاستدلال بالمثال طريقة مقبولة، ولم ينقطع العلماء والفلاسفة
كما بينا عن استغلالها (...) ويمكن القول أن التمثيل هو الأساس الأول في صرح العلم
والفلسفة"[49]،
فهو منطلق الفيلسوف لتوضيح فكره وفلسفته وجعلها مقبولة له، وقابلة للإدراك بعيدا
عن اللبس والغموض، ودور المثال هنا انه يجلو غموض وتجريد الفكرة الفلسفية ويذللها
كما يساعد على الفهم ويحي المعاني ويشرح الغريب ويفسر الغير المألوف.
إن المثال هو أحد الأبعاد المهمة في حركة
تطوير الدرس الفلسفي والنهوض به وذلك بربط جسور التواصل بين الخطاب الفلسفي
ومتعلميه بغية تنمية التفكير الفلسفي بشكل عام، لأن دوره إن شئنا القول وباختصار
هو نقل المجرد إلى دائرة المحسوس والملموس، أو تقريب صورة المثالي إلى الخبرة
التجريبية أو الإدراك العقلي، "فهو لا يذلل تجريدات الفلسفة فحسب،
لكنه الى جانب ذلك يساعد على الفهم ويحيي المعاني، ويخلد الدراسة ويستبعد العوائق
ويراعي الفروق الفردية في النواحي العقلية والمعرفية، وهو ما أدركه كبار الفلاسفة
من أمثال أفلاطون وديكارت وهيجل فضربوا الأمثلة الشارحة لأفكارهم"[50].
يمكن القول إذن أن التفكير الفلسفي لا يمكن
أن يستغني عن المثال الذي يبدو انه مالك لدور استكشافي وتعريفي، وهنا نتوصل إلى
نتيجة هامة، قاطعة ألا وهي قوة هذه الآلية الحجاجية بعيدة على أن تسمى مادة معرفية
عقيمة وميتة، وأنها على العكس من ذلك يتوجب على المدرس والمتعلم على حد سواء أن
يعمق اهتمامه ومعرفته بها.
بغض النظر عن دور المثال في تقديم المفهوم
وبناءه فالفلسفة تلجأ إليه حين يعجز المنطق الفلسفي عن تقديم أطروحته باعتماد
الاستدلالات المنطقية المستغرقة في الصرامة المنهجية، فإن المثال والتمثيل يلعب
أدوارا أخرى من خلال وظائف أساسية نلخصها في وظيفتين هامتين:
أسمى وظيفة للمثال هي الإيضاح والتوضيح
وتبسيط القول الفلسفي حين يبلغ من التجريد والاستغراق مستوى عال يصعب تدبره
واستيعابه، هنا يتدخل الفيلسوف ويستعين بالأمثلة، وغالبا ما يكون هذا التدخل في
لحظة المناقشة أو المحاججة بين الفيلسوف والمتعلم أو بين الفلاسفة فيما بينهم في
حوار فلسفي مميز وفريد، يعرفه برلمان بكونه اي "الخطاب الفلسفي – في
نظرنا- عامة ما يكون معارضة تمثيل بتمثيل أو تعديلا لتمثيل الخصم أو تطويرا له
بطريقة لم يفكر فيها صاحبه"[51].
إذن تبرز الوظيفة الحجاجية للمثال في
واجهتين أساسيتين:
ü الوظيفة الحجاجية التأكيدية:
الوظيفة التأكيدية هي الوظيفة الأولى للمثال
في المتن الفلسفي لان من خلاله يعمل الفيلسوف على تقديم المفهوم للمخاطب ويدفعه
إلى تمثيله وإعطائه تمثيلا يزيل عنه ثقله التجريدي بربطه بالواقع المجسد، لان
المثال يقدم سندا حسيا ملموسا للخطاب الفلسفي مما يجعله في متناول المتلقي /
المتعلم فيساعده على استيعابه وقبوله وتأكيده فيحصل الإقناع وتتأكد الفكرة وتوضح
لدى المتلقي وتدفعه إلى قبولها دون تراجع عنها.
ü الوظيفة الحجاجية الاعتراضية:
بقدر ما يعمل المثال على تأكيد وترسيخ قول
فلسفي ما، أو مفهوم وافد وجديد فإنه يتم اللجوء إلى المثال، ووظيفته الاعتراضية
كوظيفة نقدية تفنيدية للخطاب الفلسفي وليس التأكيدية،بحيث يعود المثال ليلعب هنا
دور مكتسب ثغرات المفهوم وإبراز محدوديته وفي هذه الحالة تعتبر الوظيفة النقدية
للمثال أيسر الطرق لفحص المفهوم لأنه يبين لا واقعيته فيدحضه.
توجد أهمية كبرى للمثال في ثنايا الدرس
الفلسفي حيث أن توظيفه يساهم في التخفيف من وطأة وثقل المفهوم وعسر الفهم لدى
المتلقي أو المتعلم بشكل خاص، بل هو الذي يدعم وييسر عملية استيعاب المعارف داخل
هذا الدرس المميز.
إن الدور الحجاجي للمثال والتمثيل في تقريب
المعاني وإظهارها وإثارة فعل التعلم وتيسيره لدى المتعلم وبث عنصر التشويق
والمتابعة لأجل تنشيط الفاعلية العقلية التي لا تسير على وتيرة واحدة في ظل
الصعوبات التي يطرحها هذا الدرس معالاخذ بعين الاعتبار الفروق العقلية، هكذا يصير
التمثيل في العملية التعليمية التعلمية حاضرا بقوة في كل فاعلية فكرية، وقد أكد
دورلMaurice Dorolle"أن
التعقل بواسطة التمثيل هو بناء للفكر في جميع الدرجات، منذ المحاولات المتواضعة
للتفكير الطفولي الذي يستعمل التمثيل استعمالا مفرطا ا والى الأشكال الأكثر سموا
من التفكير العلمي"[52]، فالبناء الفعلي للمعارف يتم من خلال تكوين
المفاهيم وهذا الأمر يتطلب تهذيبا وتبسيطا وتطويرا من خلال اعتماد آليات وحجج
متنوعة كآلية المثال لان العقل يشتغل بالتداعيات والصور والأمثلة.
تعرفنا على أن المثال هو مماثلة بين ما هو
مجرد وبين ما هو واقعي وملموس لتقريب معنى في تشبيه حسي، ومن خلاله يقيم المتعلم
تقابلات ومقاربات بين المعروف والمألوف وبين الغامض والغير المفهوم، هذه المقارنات
تربط جسر الفهم والاستيعاب بحيث تخفض ثقل المفاهيم المجردة، فبواسطة هذه الأمثلة
يبني المتعلم تعلماته ومعارفه "وهذا ما يلاحظه الباحثون والمنكبون
على دراسة العمليات التعريفية والتدليلية العادية أن العقل يشتغل عبر المزح بين
التداعي والاستعارة والمثال والعلامة والاستنباط في مستويات مختلفة متداخلة،
ويبرزون أن التعقل بالتمثيل يحتل مكانة مركزية في الإنشاءات العقلية"[53].
لعل أن الدور المنوط بالمثال والتمثيل على
مستوى الديداكتيك لا يختلف عن دوره في تعليم التفلسف بشكل عام كما وجد عند
الفلاسفة وهو أن يكون بمثابة وسيلة فعالة أكثر على مستوى تدريس المفهوم الفلسفي
وتقديمه في صورة واضحة ومقبولة لدى المتعلم، لهذا لا بد من العودة إلى التراث
الفلسفي والتاريخ الفلسفي بغية استخلاص كل الصور التمثيلية الدقيقة وملائمة قادرة
على أن تقوم بهذا الدور الحساس خاصة في إفهام المبتدئين ودعوتهم إلى تعلم وتعليم
الفلسفة ومساعدة المتعثرين في استيعاب المفاهيم في صورتها التجريدية المتعالية
لحظة غياب أمثلة ملموسة ومجسدة لها.
إن الأهداف المتوخاة من توظيف الأمثلة في
الدرس الفلسفي إجمالا في وظيفتها التعليمية الديداكتيكية هي الإفهام والإيضاح
وتحقيق المتعة والتشويق وبث روح المتابعة لدى المتعلم والتخفيف من ثقل وطأة الحجاج
العقلي والمنطقي الصارم والجاف.
من خلال ما سبق يتضح أن المثال بمعناه العام
ضروري لتذويب صعوبة الخطاب الفلسفي والاطمئنان على وصول لدى المتلقي بطريقة سليمة
ومقبولة ومخففة قادرة على إقناع واقتناع المخاطب والقارئ والمتعلم بشكل عام، وذلك
من خلال عرض الخطاب بطريقة مغايرة تكون مناسبة للمتعلم.
لقد اتّضح الآن، أنّ التّفلسف لا يشكّل
تملّصا من المعيش و من اليومي و من تجربتنا مع الآخرين، بقدر ما هو ارتفاع
بالواقعي الجزئي إلى مستوى التّفكير العقلاني، بحيث نعيد تنظيمه بالاستناد إلى
قاعدة نظريّة تتميّز بالشّموليّة و الكونيّة. حينها فقط يتحوّل هذا التّجربي و
الواقعي إلى مثال على فكرة أو مفهوم فلسفي. و هذا ما يقود إلى دور ثان يمكن أن
يؤدّيه المثال و يتلخّص في منحه لمضمون عيني لفكرة مجرّدة.
إن التمثيل المؤسس له يعد أساسا في إبلاغ
الفكر الفلسفي وتوسيع نطاقه ومعارفه، وهنا تكمن فعالية التكوين والتعلم الفلسفي من
خلال هذه الآلية الحجاجية التي تعد جزءا لا يتجزأ من البنية الحجاجية ككل للخطاب
الفلسفي.
ملاحظة بالنسبة للأرقام وسعيا منا للحفاظ على الأمانة العلمية هي مراجعة ويمكن اعتمادها كمصادر داخل المقال مع مراعاة التصنيفات في كل بحث
[1]- التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، مديرية المناهج، نونبر 2007، ص ص 3-4.
[2]ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير ومحمد احمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، المجلد الثاني، الجزء التاسع، د.ت، مادة (حج ج)، ص779.
[4] علي بن محمد الجرجاني الحنفي، كتاب التعريفات، تحقيق: نصر الدين تونسي، القدس للتجديد، القاهرة، ط1،2007، ص140.
[7] إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983م، ص67.
[8] اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت، المجلد الأول، (G-A)، ط2، 2001، ص93.
[10] طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، ص226.
[11] طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص65.
[13] حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2013، ص98.
[22] هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو، ضمن كتاب: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، لفريق البحث والبلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، منشورات كلية الآداب، منوبة، تونس، سلسلة الآداب، 1998، ص142، نقلا عن:
Alfarabi, ouvrages imédiate sur la rhétorique, publication préparée par J. langhad et M. Gignnashi, dar almachreq, bayrouth, 1971, P31.
[28]ChaimPerelman et lucieOlbrechts-Tyteca, traité de l’argumentation, 5ème édition de l’université de bruwelle, 1992, p.5.
نقلا عن عبد الله صولة، الحجاج أطره ومنطلقاته من خلال مصنف في الحجاج، مرجع سابق، ص299.
[32] أبو الحسن احمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، المجلد الخامس، دار الجيل بيروت، الطبعة الاولى، 1991م، ص296.
[33] محمد العمري، في بلاغة الخطاب الاقناعي، مدخل نظري لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن نموذجا، إفريقيا الشرق 2002، الطبعة الثانية، ص82.
[35] عبد القادر الجرجاني: أسرار البلاغة، شرح وتحقيق محمد عبد المنعم جفاجي ومحمد عزيز شرف، دار الجيل، بيروت، الطبعة الاولى،1991، ص ص 118-119.
[39] شارل برلمان، التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، ترجمة حمو النقاري، مجلة المناظرة ،عدد 1 ، 1989، ص128.
[40] محمد سعيد احمد زيدان، المثال الشارح مدخل لتعليم التفلسف، سفير الإعلام والنشر، الطبعة الأولى، 2000م، ص42.
[41] بناصر البوعزاتي، الصلة بين التمثيل والاستنباط، مقال ضمن التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 134، ص
[55]- عثمان أمين ضمن: رونيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2009.
[57]- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2010، ص 90.
[60]- إميل برييه، تاريخ الفلسفة : القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1993، ص 84.

تعليقات: 0
إرسال تعليق