لقد تناول فلاسفة اليونان الكثير من
المواضيع المرتبطة بالممارسة الحجاجية بدرجة عالية من الدقة والشمول، ساعد في ذلك
التفتح الديمقراطي الذي شهدته الحضارة اليونانية والذي حمل لقدماء اليونان (سقراط،
أفلاطون، أرسطو...) وعيا للتنظير لفني الخطابة والجدل، مبينين من خلالهما
إستراتيجية الإقناع. و هذه الإستراتيجية هي الحجاج نفسه.
ويعد أرسطو من الفلاسفة اليونان الذين نظروا
للخطابة من زاوية حجاجية، ذلك أن الخطابة كما ترجمها العرب القدامى، هي "فن
الإقناع عن طريق الخطاب"، وان الوظيفة الإقناعية هي وظيفتها الأساسية،
كما أكد الفارابي في قوله: "الخطابة صناعة قياسية غرضها
الإقناع"[22].لأن
مهمة الخطابة ليست الاقناع بقدر ما هي البحث في كل حالة عن الوسائل الموجودة
للاقناع.[23]
لقد أكد أرسطو وجود الحجاج في الخطابة كما
في الجدل، فهو القاسم المشترك بينهما من حيث أن الجدل والحجاج "قوتان
لإنتاج الجدل"[24]بمعنى
أخر أن الخطابة تعتمد للحجاج شأنها في ذلك شأن الجدل، مع اختلاف كامن في بنية
الحجاج كليهما، حيث يقول أرسطو: "أما الأدلة التي تنشأ عن البرهان
الحقيقي أو البرهان الظاهري فهي هنا، كما في الجدل الاستقراء والقياس، و القياس
الظاهري لأن المثال هو استقراء، والقياس المضمر كذلك قياس ما... وأسمى القياس
المضمر القياس الخطابي، والمثال الاستقراء الخطابي "[25].
إن هذه العلاقة القائمة بين الجدل والخطابة
من جهة نوع الحجج تجعل الخطابة كما يقول أرسطو نفسها فرعا من الجدل.
بعبارة أخرى إن الحجاج الجدلي ذو مجال فكري
خالص، فهو عادة ما يكون بين شخصين يحاول كل منهما إقناع صاحبه بوجهة نظر معينة،
وأما الحجاج الخطابي فمجاله توجيه الفعل وتثبيت الاعتقاد وهو حجاج موجه إلى
الجماهير.
وعليه فالخطابة عند أرسطو هي خطاب حجاجي
يقوم على وظيفة التأثير والإقناع، ويتوجه إلى الجمهور السامع قصد توجيهه أو إقناعه
إيجابا أو سلبا، وفي هذا السياق يقول أرسطو: "ويحصل الإقناع حين يهيأ
المستمعون ويستميلهم القول الخطابي، حتى يشعروا بانفعال ما، لأننا لا نصدر الأحكام
على نحو واحد حسبما نحس باللذة والألم، والحب والكراهية... والخطاب هو الذي ينتج
الإقناع حينما نستخرج الصحيح والراجح من كل موضوع يحتمل أن يقع فيه الإقناع"[26].
من خلال ما سبق يتضح لنا أن البلاغة
الحجاجية قد اتضحت معالمها الأولى مع أرسطو من خلال كتابه
"الخطابة"، "وقد سبق عصره بآرائه البلاغية الرائدة في مجال
الحجاج والإقناع. ويعتبر أرسطو البلاغة فنا خطابيا بامتياز، إذ يستخدم أدوات
حجاجية واستدلالية ومنطقية للتأثير في الأخر، وإقناعه ذهنيا ووجدانيا"[27].
وإذا كان أرسطو هو من أرسى معالم الدرس
الحجاجي، فان الدرس الحجاجي الحديث قد استفاد من هذا التراث اليوناني القديم،
فحاول بعثه من جديد في ثوب جديد ألا وهو "النظرية الحجاجية" أو ما يسمى
"بالبلاغة الجديدة"، والتي أرسى قواعدها مجموعة من الباحثين، أمثال
"شايم بيرلمان" (ChaimPerelman)،
"اوزفالدديكروOswald
Dercrot"، "ميشال مايير"
وغيرهم.
لقد حاول بيرلمان أن يجعل من النظرية
البلاغية أداة تفسير وتحليل غيرها من الظواهر الفلسفية والقانونية بالخصوص، من هنا
تولدت حاجته إلى بناء تصور نظري للحجاج، والدفاع عن أهميته وجدواه على ضوء
المفاهيم البلاغية والفلسفية والقانونية.
ويقدم "بيرلمان" وزميله
"تيتيكاه" تعريفا جديد للحجاج في مؤلفهما الشهير "مصنف في الحجاج
أو الخطابة الجديدة traité
de l’argumentation – la nouvelle rhétorique"،
فقد حاولا الباحثان في هذا المؤلف إعادة صياغة مفهوم الحجاج، على عكس المفهوم الذي
كان شائعا عند ارسطو، ويعرف المؤلفان موضوع نظرية الحجاج بقولهما: "موضوع
الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض
عليها من اطروحات أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم"[28]،
وفي موضع أخر من هذا الكتاب يبين الباحثان الغاية من الحجاج حيث إن "غاية
كل حجاج أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها أو يزيد في درجة ذلك الإذعان فأنجع
الحجاج ما وفق في جعل حدة الإذعان تقوى درجتها لدي السامعين بشكل يبعثهم على العمل
المطلوب (انجازه أو الإمساك عنه). أو هو ما وفق على الأقل في جعل السامعين مهيئين
لذلك العمل في اللحظة المناسبة"[29].
إذن من خلال التعريفين السابقين يتبين لنا
أن الهدف من الحجاج ليس فقط الإقناع الفكري بمعنى تقبل العقل لما يطرح عليه، بل
يهدف أيضا إلى الحث على الفعل أو على الأقل الاستعداد لهذا الفعل، وهذا ما يجعل
"الخطابة الجديدة" عند بيرلمان وتيتيكاه تضفي على الحجاج بعدا عقليا
وتخرج الخطابة الكلاسيكية من دائرة الاتهام بالتلاعب بالجمهور، على نحو ما فهم
أرسطو، إلى حصر مفهوم الحجاج في الحرية واستخدام العقل، وغاية المحاج هو التأثير
والدفع إلى العمل.
ولذلك يقسم المؤلفان الحجاج إلى قسمين بحسب
نوع الجمهور، هما حجاج إقناعي وحجاج اقتناعي، يتوجه الحجاج الإقناعي إلى متلق خاص
وهو يعتمد الخيال والعاطفة، أما الاقتناع فهو يرمي إلى أن يسلم به كل ذي عقل فهو
عام يعتمد بالأساس على العقل[30]،
ومن خلال هذين النوعين من الحجاج يضع المؤلفان الاقتناع أساس الحجاج وهدفه، لأنه
يعتمد على الحرية والعقل.
من خلال ما سبق يمكن أن نستخلص بعض النتائج
التي تميز "الخطابة الجديدة" عن الخطابة الكلاسيكية كالتالي:
1. لقد حاول كل من بيرلمان وزميله تخليص الحجاج
من دائرة الخطابة والجدل الذي كان سليل هذه الأخيرة بخاصة عند أرسطو.
2. اعتبار الحجاج حوارا غير مرتبط بالجدل، كما
رأينا عند أرسطو، فهو حوار بين الخطيب وجمهوره، ولا يمكن أن نعتبره مغالطة أو
تلاعبا بالمشاعر والعقول.
3. ما يميز نظرية المؤلفين هو إصرارهما على
الحرية والعقل غي العملية الحجاجية وبذلك اختارا الحجاج الإقناعي.
4. الغرض من الحجاج عند المؤلفين ليس هو
الإقناع وإنما الاقتناع.
لقد حاول المؤلفين من خلال كتابهما إعادة
الاعتبار لمجال الحجاج وتبرئته من جهة من تهمة المناورة والمغالطة بعواطف الجمهور
وعقله أيضا، وتخليصه من جهة ثانية من صرامة الاستدلال الذي يجعل المخاطب به في وضع
ضرورة وخضوع واستلاب فالحجاج عندهما حوار يسعى إلى إحداث اتفاق بين الأطراف
المتحاورة في جو من الحرية والمعقولية.
وإذا حاولنا أن نستجمع في نهاية هذا المحور
كل العناصر والمعطيات والمحددات السابقة أمكننا أن نستنتج ما يلي:
أن الحجاج الفلسفي يقوم على استعمال الأدلة
والحجج والبراهين من اجل الدفاع أو الاعتراض عن قضية معينة.
يتداخل مفهوم الحجاج مع مفاهيم أخرى مثل
الجدل والبرهان والخطابة لكن لكل مفهوم مجاله الخاص.
تطور مفهوم الحجاج من العصر اليوناني (خاصة
مع أرسطو) إلى العصر الحديث حيت اتخذ الحجاج في البداية شكل الخطابة ليتحول في ما
بعد إلى بلاغة جديدة بمقومات جديدة، حيث تجاوزت هذه الأخيرة قصور النظرية
الكلاسيكية للحجاج.
وعليه يمكن القول بان الفيلسوف يستعمل جميع
أشكال الحجاج، ذلك أن الفلسفة وان كانت تتخذ البرهان كأساس للاستدلال، فهي تتماهى
معه بكل ما يحمل من دقة، لأنها تريد أن تكون إقناعية فلا يستطيع أن تتجاهل مع ما
يعتقده المتلقي في البداية. فالفيلسوف لا يستطيع أن يقنع أحدا إلا إذا إنطلق من
معتقدات الأخر/ المتلقي وعواطفه، ينتج عن ذلك أن البنية المنطقية للنص الفلسفي
تشير إلى كل الآليات والعمليات التي يتوسل ويتذرع بها الفيلسوف لإثبات دعواه سواء
أكانت تلك الآليات برهانا أو أمثلة أو استعارات أو مجازات أو حجاج الخ.
ولما كان المثال جزء لا يتجزأ عن البنية
الحجاجية للنص الفلسفي، ذلك أن تحليل تلك البنية يقتضي الوقوف عند مختلف وظائف
المثال وإبراز الدوافع الأسلوبية والاستدلالية التي أدت إلى اللجوء إليه، ونظرا
لأهميته في توضيح القضايا الفلسفية والاطروحات، ارتأينا أن نخصص المحور الثاني من
هذا الفصل للوقوف على حجاجية المثال.
ملاحظة بالنسبة للأرقام وسعيا منا للحفاظ على الأمانة العلمية هي مراجعة ويمكن اعتمادها كمصادر داخل المقال مع مراعاة التصنيفات في كل بحث
[1]- التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، مديرية المناهج، نونبر 2007، ص ص 3-4.
[2]ابن منظور، لسان العرب، تحقيق: عبد الله علي الكبير ومحمد احمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، المجلد الثاني، الجزء التاسع، د.ت، مادة (حج ج)، ص779.
[4] علي بن محمد الجرجاني الحنفي، كتاب التعريفات، تحقيق: نصر الدين تونسي، القدس للتجديد، القاهرة، ط1،2007، ص140.
[7] إبراهيم مذكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1983م، ص67.
[8] اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت، المجلد الأول، (G-A)، ط2، 2001، ص93.
[10] طه عبد الرحمان، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، ص226.
[11] طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص65.
[13] حسان الباهي، الحوار ومنهجية التفكير النقدي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2013، ص98.
[22] هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو، ضمن كتاب: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، لفريق البحث والبلاغة والحجاج، إشراف حمادي صمود، منشورات كلية الآداب، منوبة، تونس، سلسلة الآداب، 1998، ص142، نقلا عن:
Alfarabi, ouvrages imédiate sur la rhétorique, publication préparée par J. langhad et M. Gignnashi, dar almachreq, bayrouth, 1971, P31.
[28]ChaimPerelman et lucieOlbrechts-Tyteca, traité de l’argumentation, 5ème édition de l’université de bruwelle, 1992, p.5.
نقلا عن عبد الله صولة، الحجاج أطره ومنطلقاته من خلال مصنف في الحجاج، مرجع سابق، ص299.
[32] أبو الحسن احمد بن فارس بن زكرياء، معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، المجلد الخامس، دار الجيل بيروت، الطبعة الاولى، 1991م، ص296.
[33] محمد العمري، في بلاغة الخطاب الاقناعي، مدخل نظري لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن نموذجا، إفريقيا الشرق 2002، الطبعة الثانية، ص82.
[35] عبد القادر الجرجاني: أسرار البلاغة، شرح وتحقيق محمد عبد المنعم جفاجي ومحمد عزيز شرف، دار الجيل، بيروت، الطبعة الاولى،1991، ص ص 118-119.
[39] شارل برلمان، التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، ترجمة حمو النقاري، مجلة المناظرة ،عدد 1 ، 1989، ص128.
[40] محمد سعيد احمد زيدان، المثال الشارح مدخل لتعليم التفلسف، سفير الإعلام والنشر، الطبعة الأولى، 2000م، ص42.
[41] بناصر البوعزاتي، الصلة بين التمثيل والاستنباط، مقال ضمن التحاجج طبيعته ومجالاته ووظائفه، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 134، ص
[55]- عثمان أمين ضمن: رونيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2009.
[57]- عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2010، ص 90.
[60]- إميل برييه، تاريخ الفلسفة : القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، بيروت، لبنان، 1993، ص 84.

تعليقات: 0
إرسال تعليق