-->

ملخص مجزوءة المعرفة كاملة

ملخص مجزوءة المعرفة كاملة

              

    النظرية و التجربة




        النظرية و التجربة

     

     

    محاولة فهم هذا العالم الذي نعيش فيه, شكلت دائما تحديا حقيقيا للإنسان.. و بعد عدة محاولات و إخفاقات عرفتها رحلة البشرية نحو المعرفة... و بعد المجهودات الفكرية المتواصلة و بعد مراكمة الأبحاث    والتجارب...تطور العلم.. و تطورت الحضارات.. و تمت صياغة نتائجه على شكل نظريات هي عبارة عن أنساق منطقية تربط المبادئ التي يتم الانطلاق منها بالنتائج التي يتم التوصل إليها لتفسير و فهم مجموعة من الظواهر و كشف القوانين التي تحكمها.

     

     و النظرية عموما هي بناء عقلي مجرد  يعتمد على مفاهيم محددة و على مناهج تحليلية أو تركبية, بمعنى أنها من إبداع العالم و ليست معطى جاهزا, كما أنها تتميز ببعدها المنطقي الصارم بحيث لا مجال فيها للخرافة أو التفسيرات الغيبية الأسطورية.. و بحكم طابعها المنهجي فهي تتميز عن المعرفة العامية بالدقة و الضبط و أخيرا فهي تبقى مع ذلك ذات طبيعة فرضية لأنها لا تدعي الاطلاق و اليقين بل تتميز ببعدها النسبي الاحتمالي و بقابليتها للتجديد و التطور و التجاوز.

     

    و ما يميز النظريات العلمية هو ارتباطها في جزء كبير منها بالتجربة.. و المقصود بها ليس فقط تلك الخبرات التي يراكمها الإنسان في علاقته المباشرة بالواقع.. و إنما تلك الوسيلة الأساسية التي يلجأ لها العالم لإعادة إنتاج الظاهرة الملاحظة بهدف دراستها و فهم أسرارها و قوانينها و الخروج منها باستنتاجات.

     

    و رغم أن المفهومين: نظرية/ تجربة   يبدوان متقابلين, إلا أنهما في المجال العلمي يعتبران مترابطين ومتكاملين إلى حد بعيد, و إن كانا في الواقع يطرحان عدة إشكالات حول طبيعة العلاقات الممكنة بينهما  و حول حدود دور كل واحد منهما في بناء المعرفة العلمية و حول المعايير التي يمكن اعتمادها في مجال المعرفة العلمية لإثبات أو نفي علمية أو صلاحية نظرية ما من بطلانها.

     

    التجربة العلمية

     

    عادة ما يتم تعريف التجربة باعتبارها عملية إعادة بناء الواقعة وفق شروط دقيقة يضعها العالم..والمقصود بذلك أن العالم لا يكتفي بما لاحظه و إنما يحاول إعادة خلقه من جديد بشكل اختباري... بهدف إدخال عناصر جديدة و إزالة أخرى و تجريب مختلف الاحتمالات. أنها إذن إجراءات مقصودة وموجهة بعناية نحو غاية محددة .... و قد شكلت التجربة بالفعل إحدى العلامات الفارقة و المميزة للعلم..وإحدى العوامل الأساسية التي ساهمت في تطوره إلى درجة أن المنهج التجريبي صار يعد بمثابة الطريقة المثلى لكل من يود ممارسة العلم. و قد حدد كلود بيرنار C-Bernard  خطوات المنهج التجريبي بشكل دقيق فيما يلي:

     

    1. الملاحظة : و هي الخطوة الأولى المتمثلة في العمل على تسجيل مجمل المعطيات و التفاصيل    و الجزئيات المرتبطة بظاهرة معينة.. و محاولة نقلها بكل أمانة كما لو أن الأمر يتعلق بآلة تصوير.

    2. الفرضية : و هي الفكرة التي تتولد في الذهن نتيجة الملاحظة و هي غالبا ما تكون بصيغة الجمع أي فرضيات متعدد . يحتمل أن تشكل إحدى التفسيرات الممكنة لأسباب حدوث الظاهرة. لكنها تحتاج إلى أن يتم اختبارها تجريبيا ليتأكد ذلك أو يتم نفيه.

     

    3. التجربة: وهي - كما أشرنا - تلك الممارسة المختبرة التي يعمل فيها العالم على التحقق من الفرضيات من خلال إعادة بناء الواقعة في مجالات زمنية و مكانية أخرى لفهم و كشف أسباب حدوثها.

     

    4.الاستنتاج أو القانون: و هو ما يتم التوصل إليه تجريبيا من خلاصات و نتائج تتم صياغتها على شكل قوانين باعتبارها تلك العلاقات الثابتة و المنتظمة بين الظواهر.

     

    إلا أن روني طومR-Thom  يرى أن التجربة  بمفهومها الكلاسيكي ليست وحدها الممكنة.. أو بالأحرى بإمكان العالم أن يستبدلها بتجارب ذهنية خيالية في حالة ما إذا استحال عليه إخضاع موضوع ما للتجربة الاختيارية.. أو في حالة معرفته المسبقة به. و هو ما يفيد أن المنهج التجريبي قابل للتطوير خاصة مع المستجدات التقنية الحديثة التي توفر له قدرة أكبر على الاقتراب من الوقائع.

     

    و إن كان روني طومR-Thom  في سياق آخر يعتبر المنهج التجريبي رغم خطواته و شروطه الدقيقة .. إلا انه لا يرقى إلى مفهوم المنهج العلمي الصارم كما هو الأمر مثلا في الرياضيات.

     

    العقلانية العلمية

     

    أهمية العقل في المعرفة العلمية لم تكن أبدا موضع جدال.. إذ حتى المنهج التجريبي يشير إلى خطوة مهمة و هي "الفرضية" و التي هي في العمق عمل فكري عقلي خالص.

    و هو الأمر الذي سيوضحه أكثر  اينشتينEinstein    الذي يتساءل: إذا كان المنهج التجريبي يرى أن الواقع يشكل منطلق النظرية و منبعها.. و كذلك مجال تحققها و إثبات صلاحيتها.. فأي دور يتبقى للعقل؟

     

    يكمن دور العقل- حسب اينشتين- في كونه هو من يمنح النسق المعرفي بنيته..أي هو من ينتج المبادئ و المفاهيم و الأفكار و القوانين و هو من يقوم بالربط المنطقي بين القضايا العلمية. و بالتالي فان التجربة ليست هي المنبع و إنما البناء الرياضي الخالص هو الذي يمكننا من فهم الظواهر الطبيعية. و هو ما يوحي -حسب اينشتين دائما- بأن معرفة الحقيقة بالعقل وحده - كما كان يحلم بذلك القدماء - أمر ممكن.

     

    و إن كان هناك من ينتقد هذا التوجه و يعتبره نوعا من المثالية الجديدة إذ يرى هانز رايشنباخ 

       H-Reinchenbach أن العالم الرياضي حين يدرك نجاح منهجه الاستنباطي المنطقي دون حاجة للرجوع إلى التجربة.. فان ذلك يدفعه للاعتقاد بأن للعقل قوة خاصة به يكتشف بواسطتها القوانين العامة للعالم الفيزيائي.. و بالتالي يشعر بأنه لا جدوى من الإدراك الحسي.... و هو اعتقاد يجب الحذر منه. لأن العالم أو الفيلسوف حين يتخلى عن الملاحظة التجريبية بوصفها مصدرا للحقيقة.. يكون على وشك أن يصير متصوفا من نوع آخر أي ادعاء الوصول إلى المعرفة دون الحاجة إلى الواقع و إلى التجارب الحسية..أي كما لو أنها وحي يوحى به أو إشراق نوراني رباني...

     

     

    معايير علمية النظريات:

     

    لكن العلم علم و التصوف تصوف .. و لا بد أن تكون هناك حدود فاصلة بينهما.. بل لابد أن تكون هناك معايير للتمييز بين ما هو علم وما هو ليس علم . و في هذه المسألة نجد تباينا في الآراء و تعددا للمعايير.

    بالعودة إلى المحورين السابقين يمكن أن نلمس الإشارة إلى معيارين بشكل ضمني:

     

    1. يؤكد دعاة المنهج التجريبي على ضرورة الاعتماد على الاختبار التجريبي لدحض مدى صحة فرضية ما أو مدى صلاحية نظرية ما . و هو معيار بدأ يترسخ و يعتمد بشكل قوي منذ الأعمال الأولى لنيوتن  Newton وغاليليGalilée    مفاده أن الفرضية التي يكذبها الاختبار التجريبي تصبح لاغيه.. و النظرية التي لا تصمد أمام تعدد الاختبارات لا يمكن الوثوق بها.                          و قد أكد العالم الفيزيائي  تويليي Pierre- Thuilier  أن التحقق  التجريبي و إن كان لا يعطي دلائل قطعية إلا انه يعطينا على الأقل تأكيدات غير مباشرة يمكن أن تخضع باستمرار للمراجعة ذلك من خلال تنويع الاختبارات التجريبية و المقارنة بينها يكون الفحص أكثر دقة و أكثر أغناء للنظرية العلمية.

     

    2. من وجهة نظر مغايرة يرى أنصار العقلانية العلمية أن التجربة لا يمكن أن تشكل المعيار الأمثل لفحص النظريات و قد رأينا كيف دافع اينشتين على أهمية العقل الرياضي في هذا المجال على اعتبار أن النظرية هي في الأصل نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ  و التي يمكن وضعها بكل اعتباطية و حرية . و بالتالي فمعيار صدق النظرية لن يكون إلا مدى التماسك و الاتساق الموجود بين المبادئ التي تم الانطلاق منها و النتائج المتوصل إليها.. أي يكفي أن لا يكون هناك تناقض بين الافتراضات و النتائج كي نقول أن نظرية معينة علمية . أو كما يقول دوهيم Duhem  إن مختلف مبادئ و فرضيات نظرية ما تتركب فيما بينها حسب قواعد التحليل الرياضي .. و خلال هذه العلمية لا يكون العالم الفيزيائي مطالبا إلا بإرضاء مقتضيات المنطق الجبري.

     

    3. يمكن أن نضيف هنا معيارا ثالثا يحظى بأهمية خاصة في فلسفة العلوم و هو معيار القابلية للتكذيب أو التزييف « falsification » الذي يقترحه كارل بوبر Popper  و مفاده أن النظرية تكون علمية إذا كانت قابلة لأن يتم تكذيبها أو تزييفها ... أي يشترط في النظرية أن تكون هناك إمكانية لتفنيدها استنادا على مجموعة من الاختبارات الدقيقة  و يتم ذلك من خلال البحث المستمر في النظرية عن عيب أو خطأ من شأنه أن يؤدي إلى دحضها  , أما النظرية التي نعرف مسبقا أنها لا يمكن أن نجد فيها عيبا كفيلا بتفنيدها.. فهي نظرية خارج المجال العلمي " لأنها خارج القابلية للاختبار"

     

    تصبح مهمة العالم إذن  قبل إبداع نظرية جديدة  هي أولا إخضاع النظريات القديمة لاختبارات دقيقة بهدف تزييفها و تفنيدها و إلا لما تطور العلم لأن التقدم في المجال العلمي رهبن باكتشاف الأخطاء و تجاوزها و ربما هذا ما دفع باشلارG-Bachelard   للقول أن تاريخ  العلم هو تاريخ اكتشافه لأخطائه . و تطوره لا يكون إلا بفضل أزماته.

     

     

     

     

    إرسال تعليق

    جميع الحقوق محفوظة© philokamal 2019