مفهوم الدولة
من بين كل أشكال التجمع البشري التي عرفها الإنسان عبر التاريخ تبرز الدولة باعتبارها الصيغة الأكثر تطورا.. أو التي تم اعتمادها رسميا لدى الشعوب. و إذا كانت الدولة مفهوما سياسيا مجردا أواسما يطلق على التنظيم السياسي و الاجتماعي و القانوني الذي يخضع له الأفراد فإنها في نفس الوقت ليست شيئا أخر غير مجموع إرادات هؤلاء الأفراد و التعبير الرسمي لعلاقاتهم.
يبرز حضور الدولة في مؤسساتها و في سلطاتها ... في قوتها الإلزامية بوسائلها المتعددة وفي الفضاءات التي تتيحها للأفراد لممارسة الحريات العامة أو الفردية . و بالتالي فالدولة تعمل من خلال أجهزتها المختلفة على تنظيم الحياة الاجتماعية عبر الممارسة المشروعة للسلطة و عبر إدارتها للمجال العمومي باعتباره المجال المشترك بين جميع أفراد مجتمع ما.
إلا أن الدولة مع ذلك تحمل مجموعة من المفارقات فهي بقد رما تسعى إلى ضمان النظام الاجتماعي بقدر ما تمثل الوسيلة الأمثل للهيمنة و بقدر ما تعتبر مؤسسة لحماية الحريات العامة و ضمان الأمن بقدر ما تعتبر في نفس الوقت جهازا قمعيا بامتياز. و هو ما سيثير الأسئلة التالية:
هل لابد من الدولة؟ و هل هي ضرورية لهذه الدرجة؟ ما الغاية منها و ما الذي يضفي عليها المشروعية؟ أين تتمثل وظيفتها الأساسية و كيف يجب أن تمارس سلطاتها السياسية و الاجتماعية هل يحق لها اللجوء للعنف و القوة؟ أم ينبغي أن تتقيد بقيم الحق و العدالة و الحرص على سيادتهما؟
مشروعية الدولة و غاياتها
هناك إجماع لدى فلاسفة و مفكري السياسة على ضرورة الدولة كأرقى شكل للاجتماع المدني نظرا للطبيعة الاجتماعية المدنية للإنسان نفسه و نظرا لعجزه بمفرده عن تحقيق اكتفائه الذاتي .. ما يدفعه بالضرورة إلى الاجتماع مع بني جنسه و إلي تنظيم و تطوير هذا الاجتماع مستفيدا في ذلك من مميزاته العقلية/ الفكرية و من قدراته على التميز بين ما يناسبه و ما لا يناسبه للحفاظ على بقائه ولضمان حقوقه و الرقي بوجوده عامة.
إلا أنه لا يكفي القول أن الدولة ضرورية بل ينبغي التفكير في وضع قواعد لها و أسس تقوم عليها وإلا تحولت هي نفسها إلى تجمع سياسي فاقد للشرعية و لا علاقة له بالغايات التي أنشئ من أجلها.
وبالعودة إلى تاريخ الفكر السياسي سنجد اجتهادات متباينة في تحديد الأسس و الغايات التي تقوم عليها و من أجلها الدولة و فيما يلي جرد لأهمها بنوع من التركيز:
يربط هوبس HOBBES بين نشوء الدولة و بين مسألة الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني و التي تمت أساسا بفضل تعاقد إرادي و حر بين البشر من أجل إيقاف حالة حرب الكل ضد الكل التي كانت تهدد الجميع و هو ما يعني أن أساس نشوء الدولة هو التعاقد و الغاية منها هي تحقيق الأمن و السلام و الاستقرار... وبالتالي فالدولة تتأسس عندما تتوفر الإرادة لدى جميع الأفراد لإيقاف حريتهم المطلقة و الغريزة وحب السيطرة التي تحكمهم بهدف خلق سلطة عليا تكون مهمتها الأساسية هي تحقيق الأمن للجميع وذلك عن طريق وضع حدود لحريات الأفراد الطبيعية و تقييدها بقانون يكون الجميع مطالب باحترامه و في المقابل تمتيعهم بالحريات المدنية التي يضمنها القانون نفسه و التي لا تتعارض في جوهرها مع الأمن العام.
في نفس السياق يؤكد لوك J.Lock أن مسألة أمن الناس وسلامتهم في أجسادهم وممتلكاتهم هي المبدأ الأساسي الذي قامت عليه الدولة باعتبارها في الأصل جماعة من الناس تكونت لغرض وحيد هو المحافظة على خيراتهم المدنية و تنميتها. مهمة توكل إذن للحاكم المدني الذي عليه أن يضمن للجميع حرية امتلاك كل ما يتم احتياجه للحياة و أن يسهر على احترام القانون الذي يجب أن يطبق على كل الأفراد بالتساوي... و أن يعاقب كل من يتجرأ على خرقه و ذلك بحرمانه من التمتع ببعض الخيرات التي هي من حقه. و التي قد تصل إلى حرمانه من الحرية أو من الحياة في أسوأ الأحوال. مهمة الحاكم إذن تنحصر في المحافظة على الخيرات المدنية و لا علاقة لها بمعتقدات الناس ونفوسهم وهو ما يؤكد البعد المادي الدنيوي للدولة و للسياسة عموما.
في كتابه الشهير رسالة في اللاهوت و السياسة سيقدم سبينوزا Spinoza تصورا أكثر وضوحا وأكثر تطورا لمفهوم الدولة و ذلك حين ينبه إلى أن الغاية من الدولة ليس هي السيادة بمفهومها المطلق السلبي و لا هي إرهاب الناس و تخويفهم و استعبادهم و إنما هي بالدرجة الأولى الحرية : و التي يجب أن تتمظهر في تحرير الأفراد من الخوف و جعلهم يعيشون بأمان مستمتعين بكافة حقوقهم الطبيعية و ذلك بإتاحة الفرصة لهم لممارسة مختلف الأنشطة الفكرية و البدنية دون أي إقصاء أواحتقار أو اهانة أو باختصار دون ظلم.
الفرد من جهته هو الآخر عليه أن يساهم في بناء الدولة و ذلك بأن يتخلى عن حقه في التصرف وفق ما يمليه عليه قراره الشخصي. صحيح أنه على الدولة أن تضمن له حرية التفكير و التعبير و الحكم لكن ذلك لا يخول له الحق في أن يتصرف وفق هواه. بل يكون ملزما باحترام السلطة العليا و أن يتقيد بها حتى لا يسبب أي ضرر للغير و هذا طبعا لا يمنعه من إبداء رأيه في أي قانون لم يعجبه... إذ يمكنه انتقاده علنا لكن دون عصيانه عمليا لأنه لو سمح لكل شخص بالتمرد على أي قانون لم يعجبه ستنهار الدولة كلها... فالحق في التفكير و التعبير لا يخول لصاحبه الحق في التصرف.
ذلك أن الدولة أصلا هي الروح الموضوعية و ما الفرد إلا جزءا منها أي لا يكتسب بعده القانوني والسياسي إلا منها و بفضلها باعتباره منتميا لها على حد تعبير هيجل Hegel والذي يؤكد على ارتباط مصير الأفراد بمصير الدولة مادام قدرهم هو أن يحيوا حياة جماعية تكون هي منطلق ومنتهى أنشطتهم خياراتهم الشخصية. فكرة Hegel هاته تجعل الغاية من الدولة لا تقف عند حدود توفير الأمن و حماية الخيرات و لا في فرض السيادة و الإخضاع بل تتعدى ذلك إلى ما هو جوهري باعتبارها تشكل الإرادة العامة التي تنصهر فيها كل الإرادات الفردية و باعتبارها المجال المشترك للقيم الروحية و المبادئ العقلية التي عليها يقوم المجتمع و التي بفضلها يتمكن الفرد من الاعتراف بإنسانيته أنها تجسيد للروح الجماعية وللإرادة العامة أنها الحرية الجوهرية التي بشعر بها كل فرد يفتخر بانتمائه لها.
طبيعة السلطة السياسية
كيف يجب أن يمارس الحكم؟ و ما طبيعة السلطة؟ و كيف يمكن للحاكم أن يضمن استقرارا لدولته وأمنها و رخاء الشعب و رضاه ...؟ تلك هي أهم الأسئلة التي شغلت بال فلاسفة السياسة و دفعتهم لتقديم النظريات تلو الأخرى في مجال فكري لم يكن بعيدا عن الأحوال و الظروف السياسية التي عاشها كل مفكر أو فيلسوف.
ويبقى كتاب الأمير من أول و أعظم الكتابات الفكرية التي تناولت هذا الموضوع كما يعتبر صاحبه ماكيافيللي Machiavelli من أشهر الفلاسفة السياسيين الذين كانوا سباقين لتحديد الوسائل الممكنة لممارسة الحكم بشكل أكثر نجاعة و فعالية...
ويمكن تلخيص نظرية ماكيافيلي في إمكانية استخدام مختلف الوسائل الممكنة أكانت مشروعة أم غير مشروعة قانونية أم لا من طرف الأمير إذا ما أراد الحفاظ على حكمه و التغلب على أعدائه والسيطرة على شعبه مستشهدا في ذلك بالتاريخ السياسي الذي يؤكد إن الأمراء الناجحين لم يكونوا أولئك الذين شهد لهم بالوفاء و الاستقامة و النزاهة بل على العكس من ذلك أعظم الحكام -تاريخيا- هو الذي عرف عنهم المكر و الخداع و عدم الالتزام بالعهود و المواثيق.
وهذا ما جعل ماكيافيلي يوجه نصحه للأمير بضرورة التحرر من كل أشكال الالتزام الأخلاقي والتسلح بدل ذلك بأهم سلاحين يمكن أن تمده يهما الطبيعة : قوة الأسد و مكر الثعلب... القوة لإرهاب الأعداء و الخصوم و المكر لتجاوز فخاخ المتربصين و الخونة و المخادعين..
على اعتبار أن القوة و حدها لا تكفي.. أو لا تنسجم دائما أو بالأحرى لا يكون هناك أحيانا أي داع إليها ما دام أن أغلب الناس يمكن خداعهم بسهولة بسبب بساطتهم و خضوعهم لضرورات الحياة فان الحاكم لن يجد أية صعوبة في التحايل عليهم دون اضطرار اللجوء للعنف المباشر.
فكرة ميكيافيلي تقوم على شعاره الشهير " الغاية تبرر الوسيلة" و على فرضية مفادها أن الناس في أصلهم أشرار و بالتالي ففي سبيل ضبطهم و إيقاف شرهم و إخضاعهم للسلطة تصبح كل السبل مشروعة بما فيها : القوة و الخداع و المكر و كل الممارسات مهما كانت منافية للقانون أو الشرع أوالأخلاق.
وإذا كان ماكيافيلي يرى أن السلطة رهينة بمدى مهارة الحاكم و مدى استثماره لكل إمكانياته و خاصة مدى قدرته على التكيف مع الأوضاع و إبداع الطريقة المناسبة لكل ظرف في تحرر كامل من أي عهد أو التزام قد يكبله أو يسبب إفلاسه السياسي فان فلاسفة السياسة من بعده سيهتمون أكثر بالشعب وبالطريقة الأمثل لجعل صوته مسموعا و قراراته ذات مشروعية. هكذا سيركز مثلا Lock على أن السلطة السياسية لا ينبغي أن تنبع من إرادتهم الحرة باعتبارهم يشكلون جماعة واحدة ينضبط فيها الأقلية للأكثرية.
بمعنى أن السلطة السياسية تنبع من التعاقد الذي يلزم كل فرد اتجاه الآخرين و الذي بموجبه يتم تأليف هيئة سياسة واحدة تخضع لقرارات الأغلبية باعتبارها قرارات الجماعة كلها. و هو ما يضمن استمرارها و قوتها ووحدتها.
وهو ما يعني أن السلطة لا ينبغي أن تبقى في يد الحاكم وحده و إنما ينبغي أن ترجع للجماعة.
موقف سيدفع به فيلسوف الأنوار الشهير مونتيسكيو إلى ابعد نقطة حين يؤكد على ضرورة "فصل السلط" أي الحرص على عدم تجميع كل السلط في يد واحدة.. لأنه لو تم ذلك فلن تبقى هناك حرية وسيكون كل شيء معرض للضياع.
أنها دعوى صريحة لاقتسام السلطة بدل احتكارها من طرف الحاكم تفاديا لكل انزلاق نحو الاستبداد والظلم. وهو الموقف الذي شكل أحد أهم مطالب فلاسفة الأنوار و أحد أهم انجازاتهم.
لكن ما غاب عن الفلاسفة السياسيين التقليديين هو أن سلطة الدولة لا تتمظهر فقط في أجهزتها القمعية المعروفة " إدارة, جيش, شرطة, حاكم , سجن..."و إنما كما يؤكد على ذلك L. Althusser الأمر أعقد من ذلك إذ تمارس سلطة الدولة أيضا عبر وسائل أخرى يسميها بالأجهزة الإيديولوجية: كالجهاز الديني و الجهاز العائلي و المدرسي و القانوني و السياسي و النقابي و الإعلامي..." باعتبارها أجهزة ليست منظورة بشكل مباشر و تنتمي كلها للمجال العمومي و تمارس سلطتها و توجيهها و تأثيرها العميق بشكل يومي و مباشر و تساهم جميعها إلى جانب الأجهزة القمعية في بسط سلطة الدولة وإخضاع المواطنين لها.
لم تعد إذن السلطة متعالية عن المجال الذي تمارس فيه أو محصورة في هيئة حاكمة معينة بل صارت تمتد في جميع مناحي الحياة و تمارس من داخل المؤسسات الاجتماعية المختلفة. بل أكثر من ذلك يرى فوكو Foucaultأن السلطة لا تمارس من طرف جماعة على أخرى أو عنصر على أخر وإنما صارت تعبيرا عن علاقات القوى المتعددة في مجال معين والتي تأخذ شكل صراعات و نزاعات ومواجهات لا تتوقف. إن السلطة حاضرة في كل مكان.. أنها تأتي من كل صوب.. وتتولد في كل لحظة عند كل نقطة أوعند علاقة كل نقطة بأخرى.. انها تشمل كل شيء.
الدولة بين الحق و العنف
السلطة إذن حاضرة و قوية و تتوفر على ترسانة من الأجهزة و المؤسسات القمعية و المهيمنة لكن هل يعني ذلك أنها ما كانت تتحكم لولا هذه القوة أم أنها تمارس سلطتها باعتبارها حق مشروع؟.. وبصيغة أخرى من أين تستمد الدولة مشروعيتها؟ من القوة و العنف؟ أم من الحق و القانون؟
بالعودة إلى فلاسفة السياسة الأوائل الذين ذكرناهم نجد أن القوة تبقى وسيلة لا محيد عنها في الحكم فالأمير يحق له استعمالها لفرض سلطته و هيبته حسب ماكيافيلي و لضمان احترام القانون حسب.Hobbes طالما أن الناس – حسب الفيلسوفين معا- ليسوا ملائكة بل تتحكم فيهم نوازع العدوان والشر. مما يعني أن أي تراخي أو ضعف من الحاكم قد يعجل بانهيار حكمه و فساد دولته.
نفهم من ذلك أن العنف – سياسيا- ليس سلبيا دائما إذ غالبا ما يشكل الوسيلة الأنجع لفرض النظام وإعادة الأمور إلى نصابها و قد انتبه السوسيولوجي الرائد :Max Weber إلى أهمية هذا المفهوم في بناء الدولة و قيامها بل و أيضا في تحديد معناها إذ يصعب –بنظره- تعريف الدولة دون هذه الوسيلة المميزة الخاصة بها ألا وهي العنف.
فكل دولة تنبني على القوة و علاقتها بالعنف علاقة جد حميمية مادام هو وسيلتها العادية للسلطة تحتكره لنفسها وحدها و تمنع أي تجمع سياسي أو أي فرد من ارتكابه بترخيص منها لقد تحولت الدولة المعاصرة إلى دولة تعتبر نفسها وحدها تمتلك الحق في العنف. "باعتباره عنف مشروع".
لكن هذه الحقيقة السياسية لا يجب أن تنسينا ضرورة عقلنة هذا العنف و التحكم فيه و في مساراته وفي أشكال ممارسته و في حدوده وهو النضال السياسي و الحقوقي الكبير الذي خاضته الحركات السياسية و الحقوقية المعاصرة في سبيل بناء ما صار يعرف بدولة الحق و القانون دولة تعمل على تقليص حضور العنف في السياسة ما أمكن و تبدع أشكال الحد منه بحماية المواطن من كل شطط في استعمال السلطة لأن دولة الحق لا يجب أن تقوم على العنف بل على الحق و القانون أنها – كما توضح ذلك الفيلسوفة الفرنسية روس .J-Russ دولة تؤدي إلى ممارسة معقلنة للسلطة ... عن طريق التشبث بالقانون و احترام الحريات العامة و الفردية... و هو ما يجب أن يقوم على مبدأ أساسي وهو احترام الشخص و صيانة كرامته الإنسانية ضد كل أنواع الترهيب و التخويف و التعنيف. إن دولة الحق في مفهومها المعاصر هي الدولة التي تبدع الحرية و ترسخ القانون الوضعي و تحترم الإنسان,
انها الدولة التي تبني المصلحة العامة و تصونها و تحرص على فصل السلط لضمان انتظام سياسي متوازن و تضمن للفرد احتماءا فعالا من أي ظلم أو استبداد و تتيح له المجال للتمتع بحقوقه الإنسانية كاملة.
مجزوءة : السياسة
مفهوم: الحق والعدالة
تقديم : يقترن مفهوم الحق والعدالة بمجموعة من القواعد والمعايير الأخلاقية التي يعتمدها مجتمع ما لينظم العلاقات بين أفراده ، فيما يخص الحقوق والجزاءات والواجبات.وللعدالة مظهران : أحدهما موضوعي أو خارجي تمثله المؤسسات التشريعية والقانونية ، التي ترعى التوزيع القائم للحقوق ، وتسهر على تنفيذ القوانين السائدة ، و آخر معياري أخلاقي ، فبالإضافة غلى كونها تعبيرا عن واقع وعن توزيع معين للحقوق ن هي أيضا في نفس الوقت مثال أخلاقي كوني يتطلع الجميع لاستلهامه بدرجات متباينة ،وفضيلةشخصية
إن العدالة في بعدها الأخلاقي تجعل الفرد –والجماعة ايضا- يتخلص ولو بصورة استيهامية( تخيلية)، من النزوعات الأنانية،و من عنف الأهواء التي تتجاذبه، كما تجعله ، بتطلعه ن لهذا المثال ن بتجرد عن أحكامه الشخصية ويعتدل في أفعاله ،ويراعي القوانين السارية على الجميع ، ويراعي حقوق الآخرين كحدود لحقوقه.
المحور الأول : الحق بين الطبيعي والوضعي
تحليل ومناقشة نص : " توماس هوبز ط الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 163
الطرحلإشكالي للمحور : لقد بتنا في العصر الحديث نسمع عن حق الأفراد في التملك ، وعن حقهم في الحياة ..وحق المرأة في المساواة مع الرجل ، وحقها في المشاركة السياسية،من انتخاب وتصويت ..إن كل هذه الحقوق التي حققها الإنسان وصار يضمنها له قانون مدني مبني على التعاقد ،لم تأت وليدة الصدفة ،وإنما جاءت بجهد جهيد للفلاسفة ، وتنظيراتهم،،هؤلاء الذين حاولوا الوقوف عند هذه الحقوق ومحاولة معرفة منشئها ،هل هي حقوق طبيعية أم حقوق مدنية ؟وهل الحقوق الوضعية تجاوز للحقوق الطبيعية أم استمرار لها ؟وما معنى الحق الطبيعي والحق الوضعي ؟
الحق الطبيعي : هو حرية كل شخص في استعمال قوته حسب ما يريد لحساب طبيعته ، أي حياته الخاصة ، وذلك في عمل أي شيء ، يكون حسب حكمه وتفكيره وسيلة مناسبة له .(هوبز-كتاب التنين)
الحق الوضعي :جملة من الحقوق التي ترجع للإنسان بحكم إنسانيته ككائن عاقل حر ومريد ، وهي حقوق يضمنها قانون تم التعاقد عليه بعد الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية
موقف توماس هوبز:
يرى توماس هوبز أنه لما كان الإنسان يتمتع في الحالة الطبيعية بكل حقوقه الطبيعية–أي حريته في امتلاك أي شيء- وكان هذا حقا طبيعيا ،يؤدي إلى حرب الكل ضد الكل فإن القانون الطبيعي يلزم الأفراد بالسلم ، أييخضع حرياتهم ،بحيث " يتم التخلي عن حق التصرف في كل شيء بما يسمح بالسلم وبالحفاظ على الذات".
يعتبر توماس هوبز أنه رغم تخلي الإنسان عن حقه الطبيعي في استخدام القوة للدفاع عن نفسه لصالح الحاكم ، الذي تم التعاقد معه على الحفاظ على الأمن ،فإن هذا لا يعني تجاوز الحقوق الطبيعية بل هو تأكيد واستمرار لها .لأن القانون الطبيعي يفرض حالة السلم .كما أن الغرض منه هو حفظ الحياة وهذا ما يجب على العاهل فعله ولو بالقوة.
مطلب المناقشة :نص جون جاك روسو / الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 164
إذا كان هوبز يرى أن الإنسان بطبيعته شرير وذئب لأخيه الإنسان فإن روسو في مؤلفه "العقد الاجتماعي " ينطلق من فرضية أخرى ترى أن الأصل في الإنسان هو الطبيعة الخيرة المسالمة...وبالتالي فالحق ينبغي أن يقوم على هذه المفاهيم ..لا على القوة.
يرى روسو أن انتقالالإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن أوجد فيه أشياء وأضافه أشياء لكنه حرمه امتيازات عدة ، ومثال ذلك صار العدل في مقابل الجور الفطري( أي التمايز الطبيعي للقوة)وصار الإنسان أكثر أدبا، لكن أكبر تغير حصل للإنسان هو سيره على "مبادئ ..عقله قبل أن يصغي إلى ميوله) ومنه حولته الطبيعة من كائن بشري ورجل ذكيا بعد أن كان حيوانا بليدا محدود الفهم، لكن يرى روسو في مقابل هذه الامتيازات فإن الإنسان فقد حريته الطبيعية وحقه غير المحدود الذي كان له في امتلاك كل شيء ،وهذه الحرية قد تخلى عنه الإنسان وعوضها بالحرية المدنية التي تحدها الإرادة العامة ،هذه الحرية التي لا تختلف كذلك عن ما يسميه روسو بالحرية الأدبية التي وحدها تكفل سيادة الإنسان على نفسه ،لأنه انتقل من عبودية شهواته إلى طاعة قانون هو واضعه.
خلاصة تركيبية
يتضح من خلال تحليلنا ومناقشتنا لكل من موقف توماس هوبز وجون جاك روسو أن الحقوق الوضعية لا تعد تجاوزا للحقوق الطبيعية ، وإنما هي استمرار وتأكيد لها ،حيث أثبت هوبز ، أنه إذا كان الإنسان في حالة الطبيعة لا يستطيع أن يحافظ على حقه الطبيعي ،أي الحفاظ على حياته الخاصة ،فإن هذا الحق أصبح ممكنا بعد الانتقال من الحالة البدائية(حالة التوحش)إلى حالة التمدن ،لكن على المرء أن يتخلى عن حق استعمال القوة لصالح العاهل الذي سوف يضمن له حقه في الحياة ، وهذا ما لم يوافق عليه جون جاك روسو الذي أشار في كتابه العقد الاجتماعي إلى أن الضامن للحق في الحياة وكل الحقوق الطبيعية ،ليس هو العاهل وإنما الإرادة العامة للشعب ،والقوانين التي يتم التعاقد عليها ،كما أن الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن ،أضاف للإنسانية عدة حقوق لم يكن يتمتع بها كحق الإنصاف والعدالة..لكنه حد من بعض الحقوق كالحرية.
المحور الثاني : العدالة باعتبارها حقا
تحليل ومناقشة نص : باروخاسبينوزا الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 155
الطرح الاشكالي للمحور الثاني :
إن الحديث عن العدالة هو حديث عن الحق لذلك يمكن التساؤل : ما العلاقة بين العدالة والحق ؟ وأيهما أساس الآخر ؟
مطلب التحليل
يرى باروخاسبينوزا أن أساس الديمقراطية هو تخليص الناس من سيطرة الشهوة كما أن الغرض منها هو جعل الناس يعيشون بسلام ،وذلك بالسماح لهم باستعمال عقولهم ، كما يدعو هذا الأخير –الرعايا إلى تنفيذ أوامر الحاكم وإلى عدم الانصياع إلا للقوانين التي يسنها ، وقدم باروخاسبينوزا تعريفا للقانون المدني متمثلا في كونه : حرية الفرد في المحافظة على حالته كما حددتها وضمنتها له مراسيم السلطة العليا ، والتي ينبغي للأفراد أن يعيشوا وفقا للطريقة التي فرضها عليهم للحفاظ على حياتهم ،ويرى اسبينوزا أن القانون لا ينتهك إلا إذا تم الاضرار بأحد المواطنين أو تم عصيان أوامر الحاكم الذي لا يمكنه أن ينتهك حق الرعية ، إذا كان القانون يتيح له ما يشاء، ويقيم صاحب النص تمييزا بين العدل والظلم حيث يرى أن الأول استعداد الفرد لكي يعطي لكل ذي حق حقه طبقا للقانون المدني ، أما الثاني فهو أن يسلب شخص متذرعا بالقانون ما يستحقه شخص آخر طبقا للتفسير الصحيح للقانون ،كما يرتبط العدل بالإنصاف ، وعكس ذلك يشير الظلم إلى عدمه . يرتبط العدل إذن ، بالقضاء حيث أنه ينبغي على القاضي أن يتعامل مع الأشخاص بالتساوي ، أي إعطاء كل ذي حق حقه .وبذلك يكون الحق أساسا للعدل .
مطلب المناقشة ،نص : "ألان ،أوكيست إميل شارتيي " الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 166.
في مقابل رأي باروخ اسبينوزا نجد ألان إيميل شارتيي في كتابه تأملات رجل نورمندي ، ينطلق من أطروحة مفادها : أن الحق لن يكون إلا في إطار المساواة ، كما أن القوانين العادلة هي تلك القوانين التي يكون فيها جميع الناس سواسية ، سواء كانوا رجالا أو نساء ...ولتأكيد أطروحته ، أدرج ،"ألان" مجموعة من الأمثلة تنتمي إلى مجال الاقتصاد ،حيث أشار إلى العلاقات التي تجمع بين البائع والمشتري ، ورأى أنه يجب على هذين الأخيرين ،أن تجمع بينهما علاقة مساواة كي يكون البيع والشراء عادلا ،ولا يظلم أحد الطرفين ، إذ لا يجوز أن يكون أن يكون البائع مخمورا ، و المشتري واعيا أو أن يكون أحدهما غنيا والآخر فقيرا ، أو أن يكون البائع مقيدا بمنافسة الباعة الآخرين في حين يكون المشتري هو الوحيد الراغب في الشراء أو أن يكون البائع جاهلا بقيمة ما يبيعه والمشتري على علم ...
خلاصة تركيبية للمحور
شدد ، إذن كل من " باروخ اسبينوزا " و " ألان " على أن الحق أساس للعدالة ، حيث أشار الأول إلى أن هذه الأخيرة هي : إعطاء كل ذي حق حقه ، كما لا يمكن للعدالة أن تتحقق إلا في إطار المساواة التي تضمنها قوانين الدولة ، وهذا ما لم يغفله حتى " ألان | الذي اعتبر أنه ما دام الحق هو المساواة وكانت العدالة هي تلك القوانين التي يتساوى أمامها الناس جميعا فإن العدالة حق من الحقوق .
لمحور الثالث : العدالة بين الإنصاف والمساواة
تحليل ومناقشة نص ،جون راولز " الكتاب المدرسي في رحاب الفلسفة ص 168
الطرح الإشكالي : إذا كانت العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه ، كما أنها إنصاف للأفراد ومساواة فيما بينهم ،فهل يمكن تحقيقها في المجتمع أم أنه لا بد من أن تكون هناك فوارق اجتماعية واقتصادية ؟
مطلب التحليل :
يرى صاحب النص أنه لا توجد أي فوارق بين نظريته في العدالة باعتبارها إنصافا ونظرية العقد الاجتماعي ، إذ كلاهما حالتان افتراضيتان تقودان إلى تصور محدد للعدالة ينطلق من البداية ، حيث لا تكون هناك أي فوارق بين الشركاء، يمكن الدفاع عنها، بل يتم الاتفاق والتفاوض عليها بشكل عادل، ويقيم " راولز " تقابلا بين مبدأين مختلفين يمكن الانطلاق منها في الوضعية الأصلية ، الأول : هو المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية ، أما الثاني : فهو اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية هذه الأخيرة يمكن من خلالها أن يساعد الأفراد الأكثر حظا باقي الأفراد الأقل حظا لتحقيق الرخاء وتجاوز كل الفروق والمواهب التي تخلقها الصدفة أو الظروف الاجتماعية التي تساعد على خلق التفاوت وتمنح الامتيازات السياسية والاجتماعية.تقوم العدالة إذن على المساواة في مفهومها الأخلاقي أساسا ، وعلى الإنصاف ، عن طريق الاهتمام أكثر بالأفراد الأقل حظا ، وعلىتكافؤ الفرص عن طريق ،خلقها للجميع ، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية ، دون أي إقصاء أو تمييز .
مطلب المناقشة نص : نص ماكس شيلر " الكتاب المدرسي مباهج الفلسفة ص 168
كأطروحة مناقش لأطروحة " جون راولز " يمكن الإشارة إلى أطروحة الفيلسوف الألماني ماكس شيلرالذي اعتبر في كتابه " الإنسان الحاقد " أن العدالة لا تتنافى وظهور أشكال التفاوت بين الأفراد على كل المستويات ، ( الفكرية والاجتماعية والاقتصادية...)ورأى أن العدالة الحقة هي التي تراعي الاختلاف بين الناس حسب إمكانياتهم ومؤهلاتهم وقدراتهم..إن الدعوة إلى العدالة –حسب ماكس شلر "إنما هي دعوة للحاقدين وكراهية يتوجه بها الأشخاص الأقل قيمة ،المنحطين، للأشخاص الشرفاء ،كما أنها محاولة للتساوي معهم .إذ "ما من أحد ينشد المساواة حينما يشعر بأنه يمتلك قوة أو نعمة ، تتيح له ،على أي صعيد كان أن يتفوق ..أما الذي يخشى الخسارة ،فهو وحده الذي ينشد العدالة والمساواة". يدعو إذن ماكس شيلر إلى عدم المساواة وإلى اللاتكافؤ في الفرص بين الأفراد إذ اعتبر أن الأمر العادي هو أن تكون التراتبية في المجتمع وليس العدل والإنصاف ..هذا ما نجده حتى عند فلاسفة اليونان خاصة أفلاطون ، الذي نجده قد ، في كتابه الجمهورية ،مجد الدولة التي تتأسس على اللامساواة والمتميزة بتقسيم المجتمع إلى طبقات ، حيث أن العادلة بالنسبة إليه ، هي أن يلتزم كل فرد بالمجال الذي حددته له الطبيعة سلفا ، لكن هذا التحديد لمفهوم العدالة الأفلاطونية يصطدم بقوة مع معظم التعريفات الحديثة لمفهوم الحق ، ذلك أن الإنسان المعاصر يتجه إلى الربط بين العدالة والحق في المساواة ، لكن العدالة بالنسبة لأفلاطون لم ترتبط بهذا الحق بل هي في الواقع تؤكد اللامساواة.
فالدولة –حسب أفلاطون- تكون عادلة إذا رضي كل شخص بوضعه ولم يحاول أن يقوم بعمل أرفع من الذي تؤهله له الطبيعة ، فالحاكم الفيلسوف الذي يولد وفي فمه ملعقة من الذهب ،ينبغي عليه أن يكون حاكما ، والجندي الذي يزداد وفي فمه ملعقة من الفضة ينبغي عليه أن يدافع عن أرضه ، والعبد الذي يزداد وفي فمه ملعقة من النحاس ينبغي عليه أن يخدم أسياده..
خلاصة تركيبية
اتفق إذن كل من أفلاطون وماكس شيلر " على أنه من المستحيل أن يكون هناك عدل وإنصاف أو مساواة في المجتمع لأن التراتبية واللامساواة من الأمور الطبيعية ، حيث ، إذا كانت الطبيعة فرقت بين الناس ولم تساوي فيما بينهم ، من حيث القدرات والمهارات .فإنه من العدل أن يكون هناك اللاعدل .إن هذا الموقف يعتبر موقفا معارضا لموقف الفيلسوف الأمريكي " جون راولز " الذي رأى أنه ، وإن كان الإنسان لا يتساوى من حيث القدرات فإنه من الممكن أن يكون هناك عدل من خلال ما أشار إليه في نظرية العدالة باعتبارها إنصافا ، حيث يساعد الأغنياء الفقراء ويساعد الأقوياء الضعفاء ، بحريتهم ، فيتم تجاوز كل أشكال التفاوت واللامساواة (الطبيعية وحتى المكتسبة) ولكي يكون هناك عدل ومساواة وإنصاف في المجتمع .
تعليقات: 0
إرسال تعليق