النص 1 : أدوات فعل التفلسف .مجزوءة الطبيعة والثقافة
تحليل النصوص :
النص 1 : أدوات فعل التفلسف
إن الأصل هو الينبوع الذي ينبثق منه على الدوام الدافع إلى التفلسف. بفضل هدا الدافع تغدو الفلسفة المعاصرة أمرا جوهريا، وبفضل هدا الدافع أيضا نستطيع أن نفهم فلسفة الماضي. هدا العنصر الأصيل متعدد الجوانب.
فالدهشة تستتبع التساؤل و المعرفة. والشك بصدد ما يعتقد الإنسان أنه يعرفه، يستتبع الفحص واليقين البين. واضطراب الإنسان، والشعور الذي يخامره وهو يواجه فكرة الموت، يقوده إلى التساؤل عن ذاته.
فلنبدأ ادن بتحديد هده العوامل الثلاثة تحديدا دقيقا :
1. ذكر أفلاطون أن أصل الفلسفة هو الدهشة. فالعين تجعلنا نشارك في مشهد النجوم والشمس وجرم السماء. هدا المشهد" يفضي بنا إلى دراسة العالم قاطبة، ومن هنا تنشأ الفلسفة بالنسبة إلينا وهي أسمى الخيرات التي خصت بها الآلهة الإنسان الذي عليه حق الفناء."
ويذكر أرسطو" أن الدهشة هي التي دفعت الناس إلى التفلسف" أن الدهشة هي التي تدفع الإنسان إلى المعرفة، فحين اندهش فمعنى هدا أنني أشعر بجهلي. اني أبحث عن المعرفة، ولكن لكي أعرف فحسب، لا لكي أرضي حاجة مألوفة اعتيادية. إن التفلسف معناه التيقظ للإفلات من روابط الضرورة الحيوية.
2. وحالما تهدأ دهشتي، ويكف تعجبي بفضل معرفة الواقع، حينئذ يثور الشك. والحقيقة أن المعارف قد اجتمعت، ولكنها ما تكاد تجتمع حتى ينهض الإنسان لفحصها فحصا نقديا، ينتفي معه اليقين في كل شئ :
فالادراكات الحسية مشروطة بحواسنا، وهي تخدعني، وصور تفكيرنا تنتمي إلى عقلنا البشري، وهي تمتزج في متناقضات لا حل لها وادا رغبت في التفلسف تملكني الشك، وحاولت أن امضي معه إلى نهاية الشوط. واد أمارس الشك، يكون في مقدوري إما أن أنساق وراء شهوة الإنكار أو أبحث عن يقين يفلت بي من قبضة الشك، ويصمد أمام كل فحص نقدي صادق. إن عبارة ديكارت المشهورة : " أنا أفكر، أنا موجود." بدت له أنها لا تقبل الشك في اللحظة التي كان يشك فيها في كل ما عداها، واد يغدو الشك منهجيا يستتبع فحصا نقديا لكل معرفة. من هنا نخلص إلى أنه ليس ثمة فلسفة حقيقية دون أن يكون هنالك شك في الأصل.
3. حين أستغرق في معرفة الموضوعات والعالم، وفي ممارسة الشك الذي ينبغي أن يقودني إلى اليقين، فإنني أنشغل حينئذ بالأشياء، ولا أفكر في نفسي، في مصيري، وفي سعادتي، بل بالعكس من دلك، أكون مسرورا اد أنسى ذاتي حين أكتسب هده المعارف الجديدة، لكن، الأمر سيتغير حين أعي ذاتي و أتأمل حالي فلنتأمل بعض الشئ في حالنا نحن البشر، نجد أنفسنا دائما نعيش في وضعيات أساسية محددة تنطوي عليها حياتنا، نسميها وضعيات نهائية، لا نستطيع أن نتجاوزها ولا طاقة لنا على تغييرها. إن وعينا بهده الوضعيات، معناه أننا نبلغ، بعد الدهشة والشك، إلى أعمق أصل للفلسفة.
كارل ياسبرز، مدخل إلى الفلسفة، ت. محمد الشنيطي(مع بعض التعديلات)، دار القاهرة، 1967. صفحات : 55-59.
النص 2 : السؤال في الفلسفة
لم تشتهر الفلسفة بشئ اشتهارها بممارسة السؤال، ولم يطبق المشتغلون بها على شئ إطباقهم على هدا الوصف، لكن ما أن نتأمل هده الحقيقة قليلا، حتى نتبين أن السؤال الفلسفي لم يكن شكلا واحدا، وإنما كان أشكالا اختلفت باختلاف أطوار هده الممارسة، ولا يخفى أن أبرز هده الأشكال شكلان اثنان : السؤال القديم الذي اختص به الطور "اليوناني"، والسؤال الحديث الذي ميز الطور "الأوروبي".
أما السؤال الفلسفي اليوناني القديم، فقد كان عبارة عن فحص، ومقتضى الفحص هو أن يختبر السائل دعوى محاوره بأن يلقي عليه أسئلة تضطره إلى أجوبة تؤول في الغالب إلى إبطال دعواه، وخير شاهد على هدا الفحص الفلسفي ممارسة سقراط للسؤال، فقد كان دأبه أن يبادر أحد (بفتح الدال) مواطنيه بسؤال عام عن مفهوم مأخوذ من مجال الأخلاق على الخصوص، حتى ادا تلقى منه جوابا معينا، ألقى عليه مزيدا من الأسئلة الواضحة التي لا يجد المحاور بدا من الرد عليها بالإيجاب، معتقدا أن هدا الرد لا يضر في شئ جوابه الأول، فادا فرغ سقراط من أسئلته التي قد تطول و تتشعب، مضى إلى الجمع بين أجوبة هدا المحاور المختلفة، مبرزا التناقض الصريح بين جوابه الأول وأجوبته الاضطرارية اللاحقة.
وأما السؤال الفلسفي الأوروبي الحديث، فهو عبارة عن نقد، ومقتضى النقد هو أن لا يسلم الناظر بأية قضية – كائنة ما كانت – حتى يقلبها على وجوهها المختلفة، ويتحقق من تمام صدقها، متوسلا في دلك بمعايير العقل وحدها، و الفرق بين "النقد" و "الفحص" هو أن الأول يوجب النظر في المعرفة ويقصد الوقوف على حدود العقل، في حين أن الثاني يوجب الدخول في الحوار ويقصد إفحام المحاور، وخير مثال على هدا النقد فلسفة "كانط"، حيث انه دهب به إلى أقصى مداه، فلم يقف عند حد التساؤل عن موضوعات المعرفة، بل تعداه إلى التساؤل عن شرائط المعرفة، جاعلا العقل نفسه موضع تساؤل – لا المعارف التي يوصل أليها فحسب – حتى سمي قرنه بقرن النقد، و أخد الفلاسفة من بعده يحتدون إلى يومنا هدا حدوه في كل ما يخوضون فيه من الموضوعات، ويشتغلون به من المشكلات إلى أن أضحت هده الممارسة النقدية تشمل كل شئ ولا تستثني إلا نفسها، وأضحينا معها لا نكاد نحصي الأعمال التي تحمل في عنوانها لفظ " النقد".
طه عبد الرحمان، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2002، صفحات : 13-14.
1 – مفاهيم الدرس :
تميز النصان السالفان باستثمار مجموعة من المفاهيم، سنحاول في ما يلي اضائتها و تعريفها :
- الشك: في الاستعمال الشائع هو حالة ذهنية لفقدان اليقين. فلسفيا : هو توجه فكري، نقدي وتعليق للحكم أمام ما يقدم لنا نفسه كحقيقة، في أفق اختباره والكشف عن ما يؤسسه. أبستمولوجيا : حسب كلود برنار هو القيمة المؤسسة للبحث العلمي، و الهدف منه عدم التسرع في استخلاص استنتاجات لحظية أمام حقائق مطلقة.
ومن وجهة النظر الفلسفية يمكن تمييز شكلين من الشك، هناك الشك المذهبي مع التيار الشكي في الفلسفة ( من أشهر أقطابه بيرون) وتبنى التعليق الجدري و النهائي للحكم. و هناك الشك المنهجي مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، حيث يلعب الشك عنده دورا محوريا في أفق الوصول إلى حقائق ويقينيات.
La pratique de la philosophie de A a Z, Hatier, Paris, 2000, p 122.
-اليقين: في الاستعمال العادي هي الحالة الذهنية التي يشعر خلالها الإنسان أنه يمتلك حقيقة ما. فلسفيا : ضمانة عقلية أو أخلاقية تتأسس على خلاصات مبرهن عليها، أو على التجربة، أو على بداهة ما، أو على رجحان كبير للاحتمال.
Ibid, p 67.
- التناقض: في المعنى العام هو الدفاع عن قضية ونقيضها ( عكسها) في نفس الآن، أي إثبات قضيتين لا يمكن أن تصدقا في نفس الوقت. منطقيا: إثبات صفة ونقيضها، لنفس الموضوع، وفي نفس الوقت.
Ibid, p 89.
- النقد : نميز هنا تصورين عامين 1- تنديد صارم وإعادة تساؤل 2- تقييم و توصيف لعمل من الأعمال( النقد الأدبي مثلا)، فلسفيا : هناك كذلك تصوران 1- تحليل للأسس 2- عند كانط: إعلام للعقل بقدراته وحدوده.
Ibid, p 96.
- الأخلاق: عامة هي مجموع قواعد السلوك والقيم داخل مجتمع أو مجموعة معينة(الأخلاق الإسلامية مثلا)، فلسفيا: مذهب عقلي يحدد الغايات التي يجب على الإنسان السعي إليها و الوسائل التي توصله إلى دلك(الأخلاق الرواقية مثلا).
Ibid, p 299.
2 – أعلام الدرس :
على امتداد المحور ترددت مجموعة من أسماء الأعلام لفلاسفة و أدباء و فنانين، سنحاول في ما يلي التعريف بها:
أ – الفلاسفة:
- كارل ياسبرز(1883-1969) : فيلسوف ألماني معاصر، دكتوراه في الطب، ساهم كذلك في علم النفس الإكلينيكي، درس بجامعة هايدلبرغ، كانت له علاقات واسعة مع فلاسفة ومفكري عصره، تأمل في الوضع الإنساني، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت له اهتمامات سياسية، وتأملات في العقل وفكرة التواصل العالمي. من أعماله: علم النفس المرضي العام، أصل ومعنى التاريخ، مدخل إلى الفلسفة، عظمة الفلسفة، القنبلة الدرية ومستقبل الإنسان.
La pratique de la philosophie de A a Z, Hatier, Paris, 2000, p 232.
- طه عبد الرحمان: فيلسوف ومفكر مغربي، درس بفرنسا، درس بجامعة محمد الخامس بالرباط إلى حدود 2004، أول من أدخل المنطق و فلسفة اللغة إلى الجامعة المغربية، له فلسفة أصيلة يحاول من خلالها الدفاع عن المجال التداولي العربي الإسلامي، من مؤلفاته : مشروع فقه الفلسفة في جزأين 1. القول الفلسفي 2. الفلسفة و الترجمة، سؤال الأخلاق، الفلسفة و اللغة، التكوثر العقلي، روح الحداثة. يدير حاليا منتدى الحكمة للمفكرين و الباحثين الذي أسسه مؤخرا.
مصدر المعلومات شخصي لكوني أتشرف بالتتلمذ على يديه كطالب في آخر فوج يدرسه بالجامعة.
- أرسطو(384-322 ق.م) : فيلسوف يوناني، أسس فلسفته على نقد نظرية المثل عند أستاذه أفلاطون، طور المبادئ الأولى للبحث التجريبي( الفيزياء، البيولوجيا...)، أسس للمنطق و الأخلاق و السياسة و الميتافيزيقا، من أعماله : الميتافيزيقا، كتاب الطبيعة، كتاب السياسة، الأخلاق إلى نيقوماخوس، كتاب الحيوان...الخ.
La pratique de la philosophie de A a Z, Hatier, Paris, 2000, p 30.
- سقراط (470-399ق.م) : فيلسوف يوناني بل أصفى الفلاسفة على الإطلاق بتعبير هايدغر، لم يكتب شيئا، ووصلتنا فلسفته عن طريق تلميذه أفلاطون في محاوراته الشهيرة، حيث كان سقراط يحاور مواطني أثينا في معاني الخير والشر و الفضيلة و العدالة...الخ. وكان يحاول توليد الأفكار في عقول محاوريه بأسئلته النافدة و العميقة، و كان يقر متواضعا أنه يعرف أنه لا يعرف شيئا، لدلك يعتبر من أهم فلاسفة البدايات لأنه دشن نقد الآراء و الأفكار، اتهم في الأخير بالإساءة للآلهة و إفساد عقول الشباب الأثيني و أعدم مسموما.
La pratique de la philosophie de A a Z, Hatier, Paris, 2000, p 421.
ب – الأدباء:
- ادمون عمران المليح : كاتب وروائي مغربي من أصول يهودية، له اهتمامات فنية تشكيلية، من أشهر رواياته : المجرى الثابت.
- ميخائيل نعيمة (1889-1988) : كاتب ومفكر لبناني، من الجيل الدي قاد النهضة الفكرية والثقافية و جدد في ميادين الشعر و القصة و المسرح و النقد، عاش جزءا من حياته بالولايات المتحدة الأمريكية و كان من أعضاء الرابطة القلمية، كتب بالعربية و الانجليزية و الروسية، من أهم مؤلفاته : الغربال، اليوم الأخير، النور و الديجور، كان يا ما كان، هوامش، همس الجفون...الخ.
ج – الفنانين:
ازدان المحور في أغلب صفحاته بمجموعة من اللوحات التشكيلية التي تبرز جوانبا من الفلسفة و دعوة للتأمل و التفكير في منطوق كل لوحة، وهده الأعمال الفنية ل:
- رامبرانت (هولندا).
- محمد شبعة (المغرب).
- عبدا لرحمان الملياني ( المغرب).
- خليل غريب ( المغرب).
3 – إشكالات الدرس:
يمكن صياغة الإشكالات المؤطرة للمحور الدي بين أيدينا، أي منطق الفلسفة، كالتالي:
- ما الدي يحكم منطق الفلسفة؟
- ما الدي يشكل البنية المنطقية لخطابها؟
- هل هو السؤال؟ هل هو الشك؟ هل هي اللغة السليمة و المنظمة؟
- ومن خلال نص الأديب ميخائيل نعيمة في مدخل المحور و المتمثل في وضعية مشكلة تدور حول ضرورة التساؤل بشأن ما نقوم به والسؤال ضد سلطة العادة، من خلال هدا النص يمكننا التساؤل حول: كيف يواجه السؤال سلطة المألوف والعادي في حياتنا؟ ألا تفترض هده المساءلة حضور آليات فكرية أخرى داخلية، تشكل هي الأخرى جزءا من منطق الفلسفة ومن خطابها؟
و هده إشكالات النص الأول، أدوات فعل التفلسف:
ما أصل الفلسفة؟ هل هو الدهشة؟ وما معنى أن يكون أصلها الدهشة؟ هل هو الشك؟ وكيف نفهم كذلك أن يكون أصلها هو الشك؟ أم أن أصلها لا هدا ولا داك و إنما الوعي بالذات و التساؤل حولها؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه هده المستويات الثلاثة في تعددها؟
أما النص الثاني، السؤال في الفلسفة، فيمكن صياغة إشكالاته كالتالي:
ما أهمية السؤال في الفلسفة؟ ما الدي ميز السؤال القديم في الحقبة اليونانية؟ وما معنى كونه فحصا؟ وما الدي اختص به السؤال الحديث الدي طبع الحقبة الأوروبية؟ وما الدي نفهمه من كونه نقدا؟
4- الجدادة العامة للدرس :
- الدرس: محور منطق الفلسفة، كتاب "في رحاب الفلسفة"، الجدع المشترك.
- الكفايات النوعية: القراءة الفلسفية، المناقشة الفلسفية و الكتابة الفلسفية.
تعليقات
إرسال تعليق