الحقDroit
الحقDroit
الحقDroit مشتقة من الكلمة اللاتينية directus التي تعني الخط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه(1) , وهذا التعريف تمتح منه معظم المعاجم الفرنسية, ففي معجم Robert نجد الحق هو ما يطابق قاعدة محددة, ويمثل ما هو مؤسس ومشروع في مقابل ما هو واقع, كما أن للحق معنيين في هذه الدلالة, معنى منطقي يمثل فيه : الاستدلال السليم والصحيح وهذا ألفيناه في معجم larousse , ومعنى عملي أخلاقي يعني ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية Lalande .كما أن الحق في اللسان العربي( لسان العرب ) يعني" حقق: الحَقُّ: نقيض الباطل، وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ. حقّاً لا يشكُّ فيه. وأحقَّه: صيره حقّاً. وحقَّه وحَقَّقه: صدَّقه". من هنا نجد أن للحق عدة دلالات لغوية تختلف حسب السياق, من كونه يعني تارة القول الصواب وتارة أخرى يعني القانون .. لكن البحث عن دلالة الحق بالمعنى اللغوي قد يضللنا أكثر منه يفيدنا , على اعتبار أنه كلما بحثنا عن تعريف واحد للحق, فإننا نسقط فيما سقط فيه أفلاطون حين اعتبر أن الحق مفهوم مجرد وقابله بمفهوم الحقيقة, وهذا ما سنشير إليه في بداية الفصل الأول من البحث .
وإذا كان عنوان البحث هو الحق بين الحق الطبيعي والحق المدني فإن الحق الطبيعي هو: حرية كل شخص في استعمال قوته حسب ما يريد لحماية طبيعته , أي حياته الخاصة , وذلك في عمل أي شيء يكون حسب حكمه وتفكيره وسيلة مناسبة له في ذلك, أما الحق المدني فهو: جملة من الحقوق التي ترجع للإنسان بحكم إنسانيته, وبحكم طبيعته ككائن عاقل مريد وحر, وهي حقوق يضمنها قانون تم التعاقد عليه بعد الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية *.
وإذا كنا في العصر الحديث نسمع عن حق الأفراد في التملك ،وحقهم في الحياة، ..وحق المرأة في مساواتها مع الرجل، وفي المشاركة السياسية من انتخاب وتصويت.. وعن عدة مكتسبات نجدها معلنة في إعلان حقوق الإنسان بالولايات المتحدة (إعلان فرجينيا) 1776م، وإعلان الثورة الفرنسية 1790م، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1947م الصادر عن الأمم المتحدة.فإن هذه الحقوق التي تحققت للإنسان وصار يضمنها له قانون مدني مبني على التعاقد, بغض النظر عن لونه أو جنسه, لا أن يضمنها قانون متعال مفارق سواء كان هذا القانون إلهيا أو ميتافيزيقيا, فإن هذا لم يأتي وليد الصدفة وإنما جاء بجهد جهيد من تنظير للفلاسفة, والوقوف عند هذه الحقوق ومعرفة مصدرها ومنشئها. هل هي حقوق طبيعية أم أنها حقوق مدنية ؟ وهل الحقوق المدنية هي تجاوز للحقوق الطبيعية, أم استمرار لها؟ وهل إحداهما يلغي الآخر؟
لكن قبل الشروع في هذا الإشكال الذي تناوله فلاسفة العصر الحديث( هوبز ولوك وروسو ), والذين سيكونون المرجعيات التي سنعتمد عليها, فإنه يجب الإشارة إلى أن تناولنا مفهوم الحق معتمدين في ذلك البحث عن كيفية تناول الفلسفات الأولى له, ثم التدرج إلى الفلسفة الرواقية, ومن ثم الفلسفة المسيحية مع آباء الكنيسة وصولا إلى عصر النهضة, وأخيرا في العصر الحديث, لم نرد من خلاله أن نقف عند تطوره في التاريخ واعتباره قطع أشواطا إلى أن تشكل, وإنما كان من الضروري الرجوع إلى الأسباب التي منعت من ظهوره بعلاقته بالإنسان, كما كان الغرض توضيح أن مفهوم الحق هو مفهوم حديث من بين المفاهيم التي أتت بها الحداثة السياسية .
وإذا خصصنا الفصل الأول إلى ما يسمى بالقانون الطبيعي فهذا راجع للخلط الكبير بين مفهوم الحق الطبيعي ومفهوم القانون الطبيعي << ولأن المهتمين بالموضوع خلطوا بين ما بين Jus و Lex , بين الحق والقانون , فمن الضروري التمييز بينهما . الحق هو الحرية في العمل والإحجام عن العمل , بينما القانون يلزم الإنسان بواحد منهما . ولهذا فإن الحق والقانون يختلفان تماما كاختلاف الواجب والحرية , ويتعارضان في علاقتهما بنفس القضية>> )2(
وقد أوضحنا كذلك في هذا الفصل كيف أن مفهوم القانون الطبيعي في الفلسفة اليونانية يعتبر بأنه قانون تابت لا يمكن تغييره,وبهذا ينتفي الفعل الإنساني وتنتفي إرادته وبانتفاء هذين المكونين يغيب مفهوم الحق, فكل الفلاسفة قبل العصر الحديث لم يميزوا بين العالم الطبيعي وعالم الإنسان , والشؤون الإنسانية , << فالآلهة والأرواح الخارقة للطبيعة توجه , القوى والسلطات التي تحكم كل شيء في الكون بما في ذلك الإنسان وتسيير شؤونه على الأرض , وحيث لم يوضع تمييز بين القوانين الطبيعية الفيزيائية التي تحكم نظام الكون وأوامر الآلهة أو ممثليهم على الأرض التي تقرر النظام في المجتمع البشري >> )3(وهذا التصور هو ما ساد خلال العصور الوسطى عند رجال الكنيسة حتى بزوغ عصر النهضة, الذي اشرنا إلى بعض الملامح التي أتى بها من قلب –إلى حد ما - مجموعة من التصورات وساعد على فهم قانون الطبيعة على أنه قانون قابلة للتفسير كما أزاح تلك القدسية عنه. فظهرت بوادر النزعة التجريبية في التحليلات السياسية لكل من هوبز ولوك وروسو ** ومن ثم صار الاهتمام بمفهوم الحق بعلاقته بإنسان وأنه لا يمكن الحديث عن قانون دون أخد بعين الاعتبار دور هذا الأخير, كما أن القانون أصبح << إن لم يوافق عليه الشعب بنفسه هو لاغ وليس بقانون >>)4(.
وفي الفصل الثاني ركزنا على ما جاء به هوبز من تصور حول انتقال الإنسان من حالة الطبيعة والحقوق الطبيعية إلى حالة التمدن والحقوق المدنية, لكن هوبز وإن ركز على الحقوق الأولى فهو لم يركز على الحقوق المدنية كما جاء بها كل من لوك وروسو بعده.
رغم هذا فيعتبر أكبر إسهام قدمه هوبز , هو طرح مسألة الحالة الطبيعية للإنسان , والذي قد يبدو عاديا, لكن هو إسهام كبير؛ على اعتبار أنه إذا كان التصور اللاهوتي أعطى للإنسان تاريخا يحكمه قانون إلهي , أو عناية إلهية, مفروضة على البشرية منذ الخليقة والخطيئة الأصلية؛ أي فكرة سقوط آدم من الجنة في الفكر الديني, فإن التصور الجديد يناقضه, فتاريخ الإنسان حسب هذا المنظور الجديد عرف حالة الطبيعة التي لم يكن فيها أي سلطة عليه كيفما كان نوعها فهي حالة الحرية التامة والإنسان, ينعم فيها بكل حقوقه لكن دافع العدوان بالغريزة الذي يجعل من هذه الحالة حالة حرب الكل ضد الكل دفع بالإنسان إلى تشكيل مجتمع مدني يضمن حقوقه فرد واحد هو الملك وذلك من أجل إحلال السلام وحفظ الحقوق على حد تصور هوبز.
هذا التصور سنجده -أي حالة الطبيعة - كذلك من خلاله رد لوك في رسالته الأولى على المنظر سير روبرت فلمر 1588-1653Sir Robert Filmer الذي كان له دور في إعطاء السلطة للحاكم المستبد باسم الدين كما أنه اعتبر أن لا حق للإنسان في الملكية, واعتمد كتاب العهد القديم واعتبر أن الملكية منحت لأدم فقط . وفي رد لوك الذي تناولناه من خلال الرسالتين نجد مجموعة من الحقوق الطبيعية وكذلك مجموعة من الحقوق المدنية, ونفس الشيء ركزنا عليه من خلال تناولنا للجزء المتعلق بروسو الذي شكل منظوره للعقد والتعاقد , كما هو الشأن للوك بشكل واضح وهوبز لحد ما , الأسس التي قامت عليها الديمقراطية الحديثة, وتشكلت على إثره منظومة حقوق الإنسان التي هي حماية للحقوق الطبيعية, لكن المقاربة الفلسفية اختلفت بين تحليلات الفلاسفة, مما يجعلنا قبل إعطاء حكم جاهز عن علاقة الحقوق المدنية بالحقوق الطبيعية وتناول الإشكال الذي طرحنا في البداية يجب معرفة أولا طريقة تناول فلاسفة ما قبل العصر الحديث للحق . فما هي أبرز التصورات التي دارت حول مفهوم الحق قبل العصر الحديث ؟
<< في البدء لم يكن للناس من ملوك إلا الآلهة , ولا من حكومة سوى الحكم الإلهي ...وهكذا نشأت, من التقسيمات القومية , عبادة آلهة عديدة , ونشأ ,من تعدد الآلهة , التعصب اللاهوتي والمدني الذي هو شيء واحد ..ولكنك لا تجد شيئا أدعى إلى الضحك من لذوعية علم يقوم على وحدانية الهوية عند الآلهة من مختلف الشعوب>>
جان جاك روسو : العقد الاجتماعي .ص 173
أولا : الحق في الفلسفات اليونانية
1- ( أفلاطون427-347 ق.م )Platon و(أرسطو384-322 ق.م )Aristote
إن من الصعوبة تناول مفهوم الحق عند أفلاطون بمعزل عن الأخلاق ,وربطه بالسياسة فقط؛ إذ أن الأخلاق والسياسة مرتبطان أشد الارتباط في الفكر الأفلاطوني, والارتباط بينهما يبدو وثيقا إذا ما انطلقنا في دراسة هذه المسألة من موضوع الخير الذي شكل قمة الهرم الفلسفي لنظرية المثل ,والتي تعتبر أساس فلسفته. فالبحث عن مفهوم الحق كقيمة أخلاقية يعني رصده في مبحث القيم ,واعتباره من الفضائل, التي تتحقق في أفراد الجنس البشري, أما البحث في السياسة فيعني تحقيق الخير في المجال الأوسع , أي مجال الدولة؛ كما هو الشأن في العدالة كمفهوم أخلاقي " إن كانت توجد في الفرد بوصفها فضيلة له ،فإنها توجد أيضا في الدولة"5. وقد تكلم أفلاطون عن الخير بصفته مبدءا أخلاقيا وجعله مثالا أعلى للمثل يسمو على بعض الإدراكات البشرية**, كما أنه يعطي المثل إمكانية تحصيلها, واستقرار وجودها؛ وبهذا المعنى يكون أفلاطون حاول أن يتجاوز نطاق الغايات المباشرة، كاللذة والتي تدرك بالحواس, ليصل إلى مبدأ الكامن من ورائها وهو مبدأ عقلي يعلو على كل الأمثلة الجزئية للحق كخير, وإذا كانت كل الغايات تستمد قيمتها من هذا المبدأ الواحد فإن الحق لا يستمد قيمته إلا من ذاته .
وقد سعى أفلاطون في كتابه الجمهورية إلى تأسيس دولته على فضيلة الخير, لكنه لم يتناول مفهوم الحق بقدر ما تناول مفهوم العدالة, لذلك نجده اهتم به – مفهوم العدالة- من خلال الفصول الأربعة الأولى في محاورة – الجمهورية – حيث قدم اعتراضه على السفسطائيين مؤسسا لنظر جديد لها , مقتضاه أن العدالة مرتبطة بالخير الذي هو إلى جانب الحق والجمال أحد مظاهرها ، وهي تعبير عن النظام والتوازن ، بخلاف الظلم الذي هو عكس ذلك.
إن العدالة-حسب أفلاطون- تقوم بخلق روابط بين الناس حسب قوانين مترابطة ومتناغمة كما تقوم بتوحيدهم أما الظلم فهو يفرقهم ويقسمهم ، على القوانين أن تكون خير معبر عن العدالة ذلك أن الأفراد ليسوا إلا أدوات تنفيذ هذا الانسجام .
وقد مجد أفلاطون مفهوم الدولة التي تتأسس على اللامساواة والتي تتميز بتقسيم المجتمع إلى طبقات . والعدالة عنده, هي أن يلتزم كل فرد بالمجال الذي حددته له الطبيعة سلفا, لكن هذا التحديد لمفهوم العدالة الأفلاطونية يصطدم بقوة مع معظم التعريفات الحديثة لفكرة العدالة؛ ذلك لأن الإنسان المعاصر يتجه إلى الربط بين العدالة والحق في المساواة, لكن العدالة عند أفلاطون لم ترتبط بالمساواة بل هي في الواقع تؤكد اللامساواة . فالدولة تكون عادلة إذا رضي كل شخص بوضعه ولم يحاول أن يعمل عملا أرفع من ذلك الذي تؤهله له الطبيعة, فالحاكم الفيلسوف الذي يولد وفي فمه ملعقة من الذهب يجب أن يحكم, والجندي الشجاع الذي يولد وفي فمه ملعقة من الفضة يجب أن يدافع عن أرضه, والعبد ذو النفس الشهوانية الذي يولد وفي فمه ملعقة من النحاس يجب أن يخدم أسياده.
وقد أتت مواقف أفلاطون ضد الأفكار السفسطائية حيث أنكر هؤلاء مبادئ الحق والعدالة والصدق.. وقالوا أن لا شيء يمكن أن ُيعرف, لأنه لا شيء في العالم الخارجي يمكن أن يوصف بالثبات. وقد رفض في كتاب الجمهورية على لسان سقراط تعريف السفسطائيين بأن العدالة هي حكم الأقوى وفرض إرادته" إذا فالعدالة، تبعا لتعريفك الخاص ، ليس فقط الخضوع لصالح الأقوى" 2ومن هنا يبين أن الحق غير القوة ، وأن الصواب غير الإكراه، وأن الفضيلة والعدالة والتشريع والقانون هي نفس الأشياء في العالم ، وأن تلك القوانين والتشريعات المقدسة تجسد الحق –بمعنى الصواب-.
كما رفض أفلاطون تعريف أن العدالة هي إعطاء كل ذي حقه ، بل كان رأيه أنه يكفي أن نقول إن العدالة هي ما تقرره قوانين الدولة وهي قوانين الآلهة ، وربما أعرض أفلاطون عن نقاش ذلك الرأي الذي يقول إن العدالة هي إعطاء لكل ذي حق حقه ، لأن من الصعوبة معرفة كيف نقرر الحقوق بين الناس خاصة ،أن كل أحد يدعي حقوقا ليست له بل يطمع أن يأخذ أكبر قدر من المزايا والفوائد، ورأى أن قوانين الآلهة هي التي تقرر الحقوق بين الناس ،ولذلك فالعدالة هي ما تقرره تلك القوانين لا ما يدعيه الناس.
من خلال هذه الإطلالة الوجيزة على مفهوم الحق عند أفلاطون فإننا نجده تارة يرتبط بمبدأ الفضيلة, أي كمفهوم ينتمي للمفاهيم الأخلاقية ,كالعدالة والسعادة والخير ..- وتارة يرتبط بنظرية المعرفة, أي أنه مفهوم يدرك بالعقل من خلال عملية التمثل وهو في عالم المثل. وبذلك يكون الحق في الحالتين مفهوم مجرد يعلو على الواقع, ولا يرتبط بالأشخاص وإنما يتمتع باستقلاليته , كما أنه في علاقته بالعدالة وعلاقته بالممارسة السياسية مرتبط بقانون طبيعي يعلو على الإرادة الإنسانية, لأن الإنسان لا يمكن حسب أفلاطون أن يتجاوز قوانين الطبيعة لأنها عادلة لذلك فالإنسان عبد بطبيعته وجندي بطبيعته وفيلسوف بطبيعته, وبذلك لا يحق لأي شخص أن يتجاوز حدوده الطبيعة, ومنه فالعبودية شيء طبيعي والإنسان لا يجد حرجا إذ كان مملوكا لسيده بما في ذلك ممتلكاته, و زوجته وأبناؤه, لكن << القول أن ابن العبد يولد عبدا هو القول بأنه لا يولد إنسانا >>6
وقد أثر أرسطو كأستاذه أفلاطون بشكل كبير على الفلسفة الغربية القروسطية , وسيعتبر موقفه من مسألة الحق وفكرة القانون الطبيعي من أبرز الأفكار التي ستتبناها المدرسة السكولائية Scholasticism ***خاصة مع توما الأكويني .وقد اهتم أرسطو بالعدالة واعتبرها ملكة خاصة تحمل صاحبها على توخي صنع ما هو حق –صواب- والتصرف على الوجه الصحيح وطلب ما هو حق دوما .وللعدالة صلة بالالتزام بما هو مشروع, فجميع الأفعال المشروعة عادلة والعكس, بالعكس لهذا نسمي كل ما من شأنه أن يخدم الخير العام أو السعادة عدلا, أي العدالة هي عبارة عن الفضيلة الشاملة في مجتمع بشري منظم, وهذه العدالة ثلاث:
- العدالة التوزيعية وهي التي يكون فيها التوزيع العادل للمناصب والمال في الدولة كل حسب كفاءته .
- العدالة التصحيحية , أي إعطاء كل ذي حق حقه في المعاملات الاختيارية كالبيع والشراء ..., وغير الاختيارية كالسرقة والقتل ..., وهذا النوع من العدالة عبارة عن إنصاف صاحب الحق المغتصب ورد حقه إليه, ومن هنا يتجلى مفهوم الحق بمعنى النصيب عند أرسطو.
- العدالة السياسية وهي التي تستند إلى قوانين يخضع لها أناس أحرار متساوون ومشتركون في الحياة داخل دولة واحدة ( مدينة), وتختلف هذه القوانين باختلاف البلدان والأعراف7
وقد قسم أرسطو الدولة إلى طبقات فهناك المواطنون الأحرار , وهناك الأجانب , ثم العبيد وأفراد الطبقة الأولى هم سادة الأرض وأصحابها لأنهم هم ذوو السلطة والشأن , أما الأجانب والعبيد فمقصون من المجتمع ، أما بخصوص المرأة فقد ارتأى عدم مساواتها مع الرجل داخل المجتمع..فالأنثى والعبد مميزان بالطبع ''وهما يخضعان للسلطة السيادية للرجل إلا أن سلطة الرجل على المرأة سلطة معنوية أكثر لطفا وأقل عنفا .والمواطن الصالح -في نظره –هو ذلك الذي يشارك في الأمور السياسية للدولة ويتفرغ لها و وهذا الأمر غير متوفر لدي العبد ولا للمرأة إذ << من الكائنات ما يفرز منذ نشأته للرئاسة , ومنها ما يفرز للخضوع >>8.
فللمرأة والعبد مجالهما الخاص والمخصص لهما بحكم الطبيعة أما المواطن فهو لم يخلق لأن يمتهن الأعمال الوضيعة , فنحن ندعو مواطن دولة -حسب أرسطو - من له في تلك الدولة حق الاشتراك في السلطة الاستشارية و القضائية , والدولة جماعة تتألف من أمثال هدا الشخص , لأن المواطن هو الذي يتفرغ للشؤون السياسية فيجب أن يكون ذا رفعة وشأن << لا يعيش عيشة الصناع أو الباعة , لأن مثل هذه المعيشة تخلو من النبل , وتناقض الفضيلة...ولأن تحصيل الفضيلة والانصراف إلى الأعمال السياسية يقتضيان خلو البال من المهام المعيشية >>9.
إن كل كائن حسب أرسطو يمتلك في ذاته فضيلة أو قوة تشكل طبيعته أو غايته التي تتحقق بواسطة الفعل الهادف لتحقيق الانسجام والكمال.
وإذا كان أرسطو يتفق مع أفلاطون على ربط مفهوم الفضيلة بمفهوم الوظيفة<<لأن الشيء يعتبر جيدا أو فاضلا ما دام يؤدي وظيفته على الوجه الأكمل >>.10 فإن ما يمكن استنتاجه هو أن مفهوم الحق شغل الفكر اليوناني لكن على صيغة البحث عن الحقيقة لكن كمفهوم يرتبط بالمساواة والحرية فإنه لم يعرف تشكله في تلك المرحلة على اعتبار أن التصور الأفلاطوني والأرسطي لم يستطيعا أن يخرجا من فكرتين رئيسيتين هما فكرة الوظيفية –أي لكل فرد وظيفته في المجتمع للحفاظ على الانسجام- وفكرة الطبع –أي أن الأشياء تحمل في ذاتها طابعا يحكمها بحكم قانون طبيعي**** هذه الفكرة التي سنجدها مهيمنة على الفلسفة الرواقية بل حتى في الفكر الروماني المسيحي .
2- الفلسفة الرواقية (430 – 490 ق . م)
نادى الرواقيون بشعار عش وفقا لقانون الطبيعة أو عش وفق للقانون الكلي, وذلك لأنهم اعتقدوا في وجود عقل كلي في الطبيعة, كما اعتقدوا في أن نفس الإنسان هي من نفس هذا العقل.وتعتبر الرواقية كمدخل للفكر الغربي في عهد الرومان وفي العصور المسيحية الوسطى قبل بزوغ عصر النهضة في أوربا, وبذلك كان لزاما علينا طرح مسألة القانون الطبيعي عند هذه المدرسة لتوضيح علاقة الحق –خصوصا الحق الإلهي – بهذه الفكرة .
وقد جاءت تعاليم هذه المدرسة أخلاقية روحية في جوهرها الكلي واعتبروا أنه متى تعايش الإنسان وتناغم مع الطبيعة فإنه سيشعر بالسلام والأمن , لأن النفس ترجع إلى أصلها العقلي الروحي الذي هو العقل الكلي, وقد آمنوا بوحدة الجنس البشري وبالأخوة المطلقة بين كل الأجناس إغريق وبرابرة..بل أنهم لم يوافقوا أفلاطون وأرسطو في كون الإنسان يكون مملوكا أو عبدا أو سيدا بل اعتبروا أن هناك خدم وأمراء لنظام اجتماعي. ورؤوا أن القانون الطبيعي يضم مجموعة من الميول الطبيعية في الإنسان << يكون فطريا في الإنسان وقد يكون مكتسبا رسخ في نفوسنا حين ينخرط الفرد في مجتمع ..والقانون الطبيعي –حسب الرواقية هو القانون الدائم والأفضل >>11. وكل القوانين والعادات والأنظمة البشرية في مختلف الدول لا تكون مقبولة إلا إذا توافقت مع هذا القانون. لكن هذا المبدأ يعني بمعناه الضيق العمل حسب الجزء العاقل في الإنسان.أي إتباع أوامر العقل والخضوع لقوانين الطبيعة التي ترشدنا نحو الفضيلة . وقد قابل مفهوم الطبيعة عند الرواقيين العقل والعقل مرادف لله واعتقدوا أن المدينة الحقيقية للإنسانية ليست سوى مدينة الله 8 كما أن القانون الطبيعي قانون مثالي قانون يصبح واقعيا فقط عندما يكون الإنسان( روحيا) خالصا ومبادئ هذا القانون كانت مبادئ مثالية .وقد دعت الرواقية كل فرد الالتزام بقانون المدينة العالمية, لأن هناك قانون طبيعي -حسب الرواقية- ينطبق على جميع الناس ، ولا يتغير فهو أزلي ولا يحق للناس , تشويه هذا القانون كما أنه من المستحيل الاستغناء عنه .
واعتبرا أن هناك عقل كلي مدير للكون , وواجب على كل إنسان أن لا يتجاوز الدور الذي وجد نفسه فيه ,ومن هنا آمن الرواقيون –عكس الأبيقوريين – بوحدة الطبيعة وكمالها , هذه الوحدة التي تتحقق بقدرة العقل الكلي , كما آمنوا بالقانون الإلهي الذي تتغذى منه كل القوانين البشرية , والإنسان مهما حاول أن يتمرد ضد هذا القانون – ضد ما سيسمى فيما بعد بالعناية الإلهية – فلن يفلح لأن عليه في النهاية أن يخضع له , لأن العقل يحتم على الإنسان أن يستجيب دون إكراه ودون تأخير لهذا القانون , واعتبروا أن الرجل العاقل أو الحكيم هو << ذلك الذي لا يجد مطلقا حاجة لأن يدافع أو يقتاد , أنه يفهم ويستبق بفرح نوايا ( القدر) , إن الممارسة الحرة لإرادته تقوده ببساطة للاتحاد مع الإرادة الإلهية 12 ومن هنا وحدة الرواقية بين- قانون البشر – وقانون الآلهة في إطار دولة عالمية , الآلهة والرجال المواطنون فيها لهم دستور يحكمهم هو -العقل الكلي – المنزه عن الخطأ يهدي الناس إلى ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يجتنبوه -حسب الرواقية- , وهو المقياس دائما لما هو عدل وحق –صواب- ,إنه قانون ثابت لا تتغير مبادئه , يخضع له الحاكم والمحكوم ، إنه قانون الله- وهذه الفكرة أي فكرة القانون الإلهي لا تختلف عن فكرة القانون الطبيعي- كما بينا – والتي وجدناها عند أفلاطون وأرسطو هذا القانون الذي يسود كل شيء والذي يوجه الناس نحو الخير, على حد تصور هذه الفلسفات, وبذلك تكون الرواقية متأثرة بالفلسفة الأفلاطونية والأرسطية –على الرغم من اختلاف الفلسفتين – مقدسة لشيء اسمه القانون الطبيعي والذي هو أساس العبودية .
ثانيا : مفهوم الحق في الفكر الروماني والفلسفة المسيحية.
1- شيشرون (Cicéron Marcus Tullius Cicero-106 ق.م)
لقد أخذت روما الفلسفة الرواقية وطبقت مبادئها خاصة في إقامة دولة ( عالمية ) مترامية الأطراف فاشتهرت بالغزو والفتوحات العسكرية وبتطوير قانون الشعوب المختلط *****ويعتبر شيشرون المشرع الروماني الذي طور قانون الشعوب المختلط ووضع كتبا ومنهما ( الجمهورية والقوانين ) – وقد اتبع أسماء كتب لأفلاطون , لكن الآراء التي جاءت في هذين الكتابين ذات صبغة رواقية خالصة , ولقد بشر فيها بأفكار الرواقية في الدعوة إلى وحدة الجنس البشري , فليس هناك مسوغا للتفرقة ,فالعقل الكلي واحد , والقانون الذي يصدر عن العقل الكلي قانون واحد .
ويرى شيشرون أن القانون الطبيعي هو العقل السليم المنسجم مع الطبيعة لا يتغير ولا يزول يأمر الناس بواجباتهم فيمنعهم عن ارتكاب الجرائم .وهو إن أثر على الأخيار من الناس فهو لا يؤثر على الأشرار . ولا يستغنى عن هذا القانون بقانون آخر ولا يحق للشعب أن يتحرر منه .ولكي نعرفه لا يحق لنا أن لا اللجوء إلى المفسرين ولا إلى المعلقين إنه القانون الذي يفسر ذاته ولا يكون قانون في أثينا وغير قانون في روما , أو قانون غدا .إن جميع الأمم في جميع العصور يلزمها القانون الواحد الأزلي .. حسب شيشرون ,ومن يتمرد على هذا القانون فهو بفعله هذا يتنكر لطبيعة الإنسان .وعقابه عظيم حتى وإن هرب من القصاصات التي يفرضها عليه الإنسان 13
إن القانون الطبيعي حسب شيشرون هو قانون أبدي تابت لا يتغير وهو القانون الذي يحكم كل الأمم ، في كل الأمكنة . والطبيعة هي التي تجعلنا حريصين على التصرف بحسن النية وعدم الإضرار بحقوق الغير , فضلا عن الرفق بالآخرين والتسامح في سلوكنا معهم , فهذه الخصال هي أكثر توافقا مع الطبيعة , من السعي إلى اللذة أو اختيار حياة البذخ والعدوان . والإنسان الذي يحترم الطبيعة , لا يمكنه الإضرار بإنسان آخر أو الاعتداء على حقوقه حسب شيشرون . لكن وبما أن مفهوم الطبيعة يكتسي مدلولا ذاتيا عنده, فإنه لا يمت بصلة للخير الموضوعي , أو المبدأ التناسبي للحقوق الواجبات بين المواطنين من هنا يبقى هو الآخر بعيدا عن مفهوم الحق بالمعنى الحديث .
إن القانون الطبيعي عند شيشرون موسوم بالتبات والخلود .بحيث لا يجوز تعديله أو إبطال مفعوله. لكن هذا التصور يبقى معياريا من الناحية المنطقية الصرفة فإضفاء هالة التبات على القانون الطبيعي , لا تنسجم مع اعتبار القيم الفردية أساسا لهذا القانون , بل وجعل مفهوم الحق ذاته خاضعة لسلوك الفاعل الأخلاقي ومرهونا بوجدانه الذاتي ومن هنا استحالة الحديث عن الحق.
إن القانون الذي يعنيه شيشرون هو القانون الإلهي –الطبيعي , لا يفرق بينهم , قانون كل البشر, قانون من الطبيعة العقلية . وقد وظفه, كما جاءت به الرواقية , مع تطويره , ليضفي شرعية على هيمنة روما على شعوب العالم , فالقانون الذي يقصده ليس قانون الدولة المدينة , أو أي دولة محددة وإنما القانون الكلي المتعالي . وقد مهدت أفكاره خصوصا فكرته حول القانون الطبيعي .. أمام علماء الكنيسة الكاثوليكية – عندما أصبحت الديانة الرسمية لروما – للهيمنة على السلطة باسم القانون الإلهي . وقد ورث التراث الوسيط الفكر المسمى بالقانون الطبيعي الرواقي كما فسرته الحضارة الرومانية , قبل آباء الكنيسة الأوائل خلال هذه الفترة أصبح الاعتقاد في أن العالم تحكمه العناية ولا يمكن للإنسان أن يتحدث عن أي الحقوق خارج هذه العناية .
وستتأكد هذه المسلمة في الفكر الغربي خصوصا في المرحلة الثانية من مجيء المسيحية****** . حيث اعتبرت -المسيحية -الحياة الأرضية << بغير قيمة >> حيث أصبحت عبئا مؤلما يجب تحمله للعبور إلى الحياة الأخرى الأبدية . بل أصبحت جزئياتها وتفصيلاتها مجرد أعباء ومحن . حيث تكون العبودية السياسية – كالفقر من الناحية الاجتماعية والمرض من الناحية الصحية.. محنة يمر بها الإنسان على الأرض , فهذه كلها آلام جسدية – مادية – أو ضروب من العذاب الأرضي , وتلك هي طبيعة المملكة الدنيوية التي يمكن أن تفرض على الإنسان مجموعة من المحن أو الآلام التي يمر بها المرء محنة الحكم المطلق والاستبداد ..فلما كان مجال الجسد ومجال الروح منفصلين –حسب المسيحية -.فإن علينا أن لا نبتئس كثيرا لمحن الجسد , وإن كنا نجزع من محن الروح وآلامها , ولما كانت مآسي الحياة البشرية هي من صنع البشر – وهي بطبيعتها تختلف عما تصنعه السماء فإن على المواطنين أن يتحملوا حكم البشر , وبالمثل على العبيد أن يتحملوا ما هم فيه من عبودية ومن هنا بدأ الاستبدادوانتهاك الحقوق.
ثالثا : الحق من منظور آباء الكنيسة
1- القديس بولس
جاءت عبارات القديس بولس داعمة للعبودية ودعا الإنسان إلى لتحملها, حيث يقول << أيها العبيد أطيعوا في كل شيء سادتكم ..والظالم سينال ما ظلم به , وليس ثمة محاباة >> كما دعا بصورة واضحة إلى سلطة زمنية .ويعتبر السلطة على الأرض , حتى سلطة الحكام ,هي مستمدة من الله حيث يقول : << لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة , لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله .. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله ....لان الحكام هم خدام الله اللذين همهم المواظبة على الخدمة. فأدوا إذن للجميع حقوقهم : الجزية لمن له الجزية , والجباية لمن له الجباية والمهابة لمن له المهابة , والإكرام لمن له الإكرام >> 14وهكذا يعلن القديس بولس بأن الحاكم يستمد سلطته السياسية من الله , وبالتالي فمن مقاومته تعني عصيان الإرادة الإلهية ومعارضة للترتيب الإلهي . أما وجود هؤلاء الحكام فالهدف منه نشر الأعمال الصالحة . وهم يرعبون الأشرار ويضربون على أيديهم لكنهم سند للصالحين الأطهار .
كما أنه حث المسيحيين عل الخضوع للسلطة العليا في المجتمع وهي سلطة الحاكم التي أرادها الله ووضعها بترتيب منه , ومن يعترض فإنما يعترض على المشيئة الإلهية ويستوجب غضب الله ونقمته .كما أنه يفترض أن << سيف الحاكم >> لا يستخدم إلا في معاقبة الأشرار, وكل من يعارضه فهو شرير , وكل من يخافه فلأنه مجرم آثم .
وتلك نفسها الفكرة التي دعا إليها القديس بطرس حين قال << أيها الأحباب ..اخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب , إن كان للملك فكمن هو فوق الكل , أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعل الشر , وللمدح لفاعلي الخير .. أكرموا الجميع , أحبوا الإخوة , خافوا الله , أكرموا الملك ..>> 15.
من هنا نجد أن بولس وبطرس يؤكدان احترام النظام القائم بل الخضوع له باعتباره عملا إلهيا . فليس من حق المواطن مهاجمة المؤسسات القائمة , وإنما عليه فقط الاستسلام والإذعان ، فهكذا اقتضت مشيئة السماء . وبذلك ظهر المبدأ الذي حكم به الحكام المستبدون في أوربا –بل لازالت معظم الحكومات الاستبدادية في أقطار العالم تحكم به - ألا وهو << كل سلطة مستمدة من الله >> << وكل حق لا يمكن أن يضمنه إلى الله>>وهو المبدأ الذي يبرز الطاعة المطلقة والاستسلام الكامل للملك المستبد أينما وجد . ومنه ظهر الحق الإلهي المقدس للملوك . لكن هذا الحق سيتأكد أكثر مع قديسين آخرين هما القديس أوغسطين ثم القديس توما الأكويني.
القديس أوغسطين Augustin ( 354-430)
تأثر القديس أوغسطين بالفكر الرواقي خصوصا فكرة القانون الإلهي في صورة الواجب الإنساني , كما تأثر بالنظرة الأفلاطونية للعالم , وقد أعلن أوغسطين أن كل فرد منا ما هو إلا جزء من الله . ولما كنا مسيرين بما قدر علينا فنحن ملزمون بإتباع مشيئته , أي علينا أن نحول أنظارنا من عالم الظواهر الذي هو عالم من ظلال على عالم المثل الذي هو عالم الجواهر , ومن اضطراب الحياة لدينا إلى ملكوت السماوات .
وكتاب أوغسطين << مدينة الله >> تخضع فيه مملكة الأرض لمملكة السماء , فكل حق مصدره الله , وكل التوازن الاجتماعي مستقر طبقا لإرادته فمبادئ المجتمع وتنظيمه ليست نابعة من البشر , بل هي حكم إلهي .
وقد كان القديس أوغسطين من المدافعين عن مفهوم الطاعة , وآمن بأن كل سلطة أرضية هي قائمة بأمر من الله !. ومن هنا فالمسيحية , في رأيه , ومن تدعوا إلى طاعة السلطة الزمنية , والخضوع لقوانين المدينة واعتبر أن مقاومة هذه القوانين هي مقاومة وتحد للإرادة الإلهية ,لأن المجتمع الذي تلجأ فيه الحكومة , إلى العنف والقوة ,دليل على ما استشرى فيه من شر وخطايا يرتكبها المواطنون في هذا المجتمع , فكان العنف , إذن , دواء ساميا أرسل لعلاج الخطيئة وهذه الأفكار نجدها مشتركة بين كل من القديسين بولس وبعده أوغسطي16.
القديس توما الأكويني Thomas D’Aquuin(Saint)(1227-1274)
تأثر القديس توما الأكويني بالفلسفة الأرسطية , حيث اعتبر أن الله مؤسس النظام العقلاني لا في المجتمع فحسب بل في الكون ككل . ورأى أن قانون الطبيعة باعتباره قانون العقل فهو أمر من الإرادة الإلهية وهو أساس النظام 17, واعتبر أن العالم تحكمه العناية الإلهية , حيث أن المجتمع بكامله يحكمه العقل الإلهي . وهذا التوجيه من قبل الله لجميع المخلوقات يسميه القانون الأبدي وجميع الأشياء – حسب القديس توما الأكويني – تقاس بهذا القانون الأبدي وهو القانون الطبيعي الذي ليس سوى مشاركة المخلوقات العقلانية للقانون الأبدي الذي يديره الله , واعتبر مصدر السلطة التي هي هبة للحاكم , لذلك فإن تصرفات الحاكم وقوانينه يجب أن تكون مستوحاة من تحقيق العدالة وخدمة المصلحة العامة , لكي نتمكن من تحقيق السعادة والفضيلة , ومن التحضير إلى حياة خيرة وهي حياة سماوية –على حد تصوره, وبشر الأكويني بأن الدولة خاضعة للكنيسة كما يخضع الجسد للروح وبأن خلاص الروح والحياة هي هدف الإنسان الأسمى والأهم وليس سعادته في الحياة .
إذا الحق حسب توما الأكويني هو النظام الذي أراده الله, فهناك القانون الأبدي ,إنه العقل الذي يسيطر على العالم كله والذي هو عقل الهي ,هذا القانون يعرفه جميع الناس , إذ يوجد في تكوين البشر, والذي عن طريقه يميز الإنسان بين الخير والشر إلى جانب هذا القانون الخالد يوجد قانون بشري متغير يأخذ بعين الاعتبار مختلف الظروف .لكنه وليد القانون الإلهي الذي هو قاعدة العقل الأولى ولهذا السبب لا يمكن محو القانون الطبيعي العامة والشاملة من قلوب الناس على حد تصور توما الأكويني.
والقانون الطبيعي هو مشاركة في القانون الخالد ولهذا السبب , يوجد ذلك القانون في حالة التبات وكمال العقل الإلهي وهو أعلى من الدولة إذ على الدولة أن تخضع له ويخضع له جميع البشر لأنه –حسب توما الأكويني-يرتكز على الوحي والتعاليم الإلهية , ويصدر عن العقل الكلي , ويخدم إلى المصلحة العامة المشتركة . لذلك اعتبر بأن القانون هو استنتاج للعقل وتعبير عن الإرادة البشرية المستمدة من الإرادة الإلهية .
أما فيما يتعلق بالحكم فقد اعتقد بأن حكم الفرد << الصالح>> هو أفضلها إذ اعتبر الملكية أصلح أنواع الحكم , لأن الحكم العادل يمكن تحقيقه بشكل أفضل عندما يكون في يد ملك مؤمن واحد . أما إذا انحرف ذلك الحكم فإنه يتحول إلى الطاغية . ذلك الحكم الذي يجب أن يقاوم من قبل الشعب بالاستناد إلى القوة الإلهية .19
عصر النهضة وقانون الطبيعة
بعد تطور المجال العلمي ,خصوصا مع <<جاليليو 1564-1642 حيث اعتبر أن السكون ليس حالة مميزة للأجسام , بل إن الحركة طبيعية شأنها شأن السكون تماما . وثانيا فقد أثبتت أن الحركة << الطبيعية >> بالمعنى الخاص الذي كانت تستخدم به الكلمة, ليست هي الحركة الدائرية , وإنما هي الحركة في خط مستقيم .فإذا لم يحدث تدخل من أي نوع في طريق جسم ما يظل يتحرك بسرعة متجانسة في خط مستقيم >> 20 أما في علم الفلك فإن جاليليو أخذ بنظرية مركزية الشمس ..فقد عمل على تحسين منظار التليسكوب ولاحظ به عددا من الظواهر التي قضت نهائيا على التصورات الأرسطية للعالم 21 حيث أصبح العالم تحكمه قوانين الطبيعة التي أصبحت قابلة للتفسير والتحليل بدل قوانين الآلهة التي تسعى إلى جعل العالم منسجما .
أما في المجال الثقافي وبعد انتشار المعرفة بفضل اكتشاف الطباعة لم تعد الكتب الدينية مقتصرة على رجال الكنيسة فقط بل أصبحت في ملك كل الناس لذلك ظهر الإصلاح الديني مع مارتن لوثر Martin Luther (1483-1546) وجون كالفن (1564-1559) John Calvin حيث ساهما في وضع مبدأ الفحص العقلي الحر للكتاب المقدس ؛ وتم وضع نهاية للرؤية الأحادية في الدين كما وضعا تساؤلا حول علاقة الدين بالمجتمع .
وفي الفلسفة السياسية , كان لماكيافيلي(1527-1469) Niccolo Machiavelli دور كبير في ظهور مفهوم الحق في علاقته بالإنسان بعيد عن أي تحليل ميتافيزيقي أو لاهوتي . وقد كان الكتابان اللذان ألفهما في السياسة << الأمير >> و<< الخطابات >> دور كبير في تواري ظلمات القرون الوسطى وبداية العصر الحديث, حيث أخد الكتاب الأول على عاتقه مهمة دراسة الوسائل التي تكتسب بها السلطة ويتم بها المحافظة عليها دون اعتبارات أخلاقية, في حين أن الثاني يقدم دراسة عامة للسلطة وممارستها في ظل مختلف أنواع الحكم. وبهذا كان ميكيافلي مؤسس للعصر الحديث في الفلسفة السياسية من خلال تناوله السياسة بمعزل عن الأخلاق, وأسس لتقليد جديد بعيد عن التحليل الأفلاطوني والأرسطي لسعيهما إلى البحث عن الفضائل أو كما جاء عند الفلسفة الرواقية وهذا هو الوجه الإيجابي في الفلسفة السياسية لكن هناك الوجه السلبي حيث قدم للحكام المستبدين فن امتلاك السلطة .
إن ما يمكن استنتاجه من هذا الفصل هو أن مفهوم الحق عرف عدة دلالات لكنه لم يرتبط بالإنسان فمن من خلال ما جاء عند أفلاطون نجد الطابع المعرفي لمفهوم الحق يغلب على تحديده؛ أي أنه كحقيقة مجردة تعلو على الواقع . كما أنه وأرسطو قسما المجتمع إلى طبقات وركزا على فكرة الطبيعة وهذه الفكرة تجعل من الإنسان تابع لقانون مفارق يتحكم في الكون والإنسان ويسلبه حريته وإرادته ويجعل منه عبدا ,ومن هنا كان نقد فلاسفة العصر الحديث -والذين سيسمون بفلاسفة الحق الطبيعي- لهذا التصور الذي ألفيناه كذلك عند الفلسفة المسيحية- التي هي امتداد للفلسفة الرواقية والتي جعلت من هذا القانون أساس الحياة والانسجام وهي قوانين العقل التي هي قوانين الله المفروضة على البشر والتي يجب الإذعان إليها دون تساؤل. وبهذا كان العالم بالنسبة للإنسان حيزا ساكنا , متناهيا , محكم التنظيم , لكل شيء فيه وظيفته المقدرة : بدءا من النجوم التي ينبغي أن تسير في فلكها , حتى الإنسان الذي يتعين عليه أن يعيش ملتزما المركز الاجتماعي الذي يولد فيه . غير أن عصر النهضة قد زعزع أركان هذه الصورة الهادئة المسالمة وقام بقلب مجموعة من التصورات و << ظهرت خلاله معالجة علمية جديدة تجاهلت ادعاءات اللاهوت وركزت على الملاحظة والتجربة المدعومتين بالعقل الإنساني >>22 مما فتح المجال لمجموعة من الفلاسفة الذين استفادوا من مكتسبات هذا العصر , حيث ستظهر النزعة التجريبية في السياسة وسيصبح النظر إلى القانون الطبيعي على أنه قانون فيزيائي , وليس قانون إلهي , كما أن للإنسان له كل الحق في التدخل في هذه القوانين.
<<لقد مثل الحق دائما في مبدئه إقصاء للعنف>> .
Y.Michaud عنف وسياسة1978
<< وإنه لمن الغرابة في زماننا أن يسلب من المرء حقه في الحياة بدافع الاعتقاد في صنع الحق>>
في زمن كانت الدولة فيه إقطاعه من اقتطاعات الكنيسة ,على خلفية الفكرة القروسطية المسيحية الذاهبة إلى القول بانتماء المدينة الاجتماعية إلى المدينة الإلهية , نشبت حرب فكرية .خاضها ضد النظام الاستبدادي وثقافته نخبة من الأنواريين ؛ الذين أرسوا دعائم فكرة الحق المدني , منتزعين الوصاية من رجال الكنيسة , على السياسة , ليعيدوها إلى المجتمع المدني والسياسي .
وفي هذه المعركة ضد حقوق البابا وحقوق الملك أو الأمير . تم إنتاج منظومة حقوق جديدة , سميت منظومة حقوق الإنسان ؛ والتي دافعت عن نظام سياسي قائم على التعاقد , وهو حق المواطنين في الإدارة العامة ؛ حيث نهضت فكرة المواطنة ضد إيديولوجيا الرعية , وفكرة التعاقد ضد إيديولوجيا التفويض المطلق للحاكم , ونظام المؤسسات ضد سلطة الفرد ..هذه الحقوق كان أول من نادى بها هم فلاسفة الحق الطبيعي أو من سموا بفلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز , لوك, روسو ) , والذين لعبت تصوراتهم للحكم , والسلطة , والدولة . الأساس الذي أمكن عليه بناء الديمقراطية الحديثة وتشكلت على إثره منظومة حقوق الإنسان .
و إذا كان التصور المسيحي – والديني على العموم أعطى منظورا لتطور التاريخ من بداية الخليقة والخطيئة الأصلية إلى تشكل المجتمع- وأرسى دعائم النظام البطرياكي* Patriarchalism أي الذي يرتد في النهاية إلى العهد القديم من الكتاب المقدس ,فإن هؤلاء الفلاسفة وضعوا تصورا مغايرا للتاريخ, وهو الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية أو المجتمع السياسي بدل الانتقال من خلق البشرية إلى المجتمع الاستبدادي .
1 - توما س هوبز Thomas Hobbes ( 1588-1679)
ويعتبر هوبز وليد عصر النهضة , وأحد خصوم الفلسفة المدرسية وما قامت عليه من دعائم أرسطية . كما اعتبر أيضا واحدا من مناصري الحكم المطلق ,ومن بين مؤلفات هوبز السياسية كتاب << التنين >> ( The Léviathan ) ؛ الذي يظم أهم آرائه السياسية ؛ وما اختياره لأسم( التنين ) إلا إشارة على ما يجب أن يكون للدولة من نفوذ كبير تبتلع به كل سلطة في باطنها .
ولقد وضع هوبز في الفلسفة أساس عناصر كثيرة أصبحت تتميز بها المدرسة التجريبية الإنجليزية فيما بعد . وكان أهم أعماله هو التنين وفيه طبق آراءه الفلسفية من أجل وضع نظرية في الحكم والسيادة .
لكن الكتاب , قبل أن ينتقل إلى بحث في النظرية السياسية , يتضمن على سبيل التقديم موجزا وافيا لموقفه الفلسفي العام . حيث قدم في الجزء الأول تفسيرا للإنسان على أساس ميكانيكية دقيقة << حيث يحاكي فن الإنسان الطبيعة ... و الحياة ليست إلا حركة الأعضاء..ويحاكي ذلك الكائن العاقل والرائع الذي صنعته الطبيعة وهو الإنسان >> 23 مصحوبا ببعض التأملات الفلسفية عن اللغة ونظرية المعرفة .وهو يرى مثل جاليليو وديكارت , أن أي شيء يدخل في نطاق تجربتنا ينتج عن حركة ميكانيكية للأجسام الخارجية.
ولا يرى هوبز –بنزعته المادية التجريبية – في الإنسان أكتر من آلة , فهو يفسر ماديا المعرفة الإنسانية , التي ترجع , في نظره , إلى الإحساس التي ترجع إلى حركة المادة , ثم تتكون الأفكار بحسب قوانين الارتباط الآلي , أي بتأثير الجزئيات المادية على العضو الحاس وبتجميع الإحساسات تتكون المخيلة والذاكرة 24وفي تشبيه الدولة بالإنسان ؛ فإن الحاكم يكون هو الروح فيها , والثورة هي القوة , والداء الذي يقضي عليها هو الحرب الأهلية 25
الحق الطبيعي والحالة الطبيعية.
وضع هوبز اللبنات الأولى في صرح نظرية << الحق الطبيعي >> حيث انطلق من فكرة جديدة هي ما سيعرف بحالة الطبيعة؛ أي الحالة التي كان عليها الإنسان يوم كان يعيش بدون دولة ودون نظام اجتماعي ,حيث جعلت الطبيعة الناس متساويين في قدراتهم الجسمية والعقلية , وإن كان الإنسان أقوى من إنسان في قدراته البدنية فإنه ليس تمت أي فرق فللضعيف قدراته وهي الحيلة والمكر أو التحالف مع الآخرين الواقعين تحت نفس المخاطر . أما بشأن القدرات العقلية فإن الطبيعة ساوت بين الناس.
ويرى هوبز أن الناس قبل ظهور المجتمع السياسي قد ولدوا متساويين في حبهم لحريتهم ورغبتهم في البقاء وفي السيطرة على الآخرين , وكل إنسان في هذه الحال يحاول أن يدعم كيانه ويزيد من قوته بلا نهاية على حساب الآخرين ومن ثم فالإنسان ليس مدنيا بطبعه, ينفر من النظم والقوانين , ويسعى وراء مصلحته أنى وجدها , ويؤثر نفسه على أي فرد سواه .فما أشبهه , إذن , بذئب بالنسبة لأخيه الإنسان .
والحياة في حالة الطبيعة –حسب هوبز-, حياة الفوضى , والمكر والاحتيال , فالناس يعيشون على صورة وحوش ضارية يأكل بعضها البعض *- وهي حالة يكون للإنسان الحق في كل شيء ,إنها حالة الحرية التامة بلا ضوابط او قيود أي حالة استعمال الفرد لحقه الطبيعي << الحق الطبيعي الذي يسميه الكتاب باللتينية (jus Naturale), هو حرية كل شخص في استعمال قوتيه حسب ما يريد لحماية طبيعته , أي حياته الخاصة , وتبعا لذلك , في عمل أي شيء يكون حسب حكمه وتفكيره وسيلة مناسبة لذلك >> 26 , وهذه الحالة تسمى حالت حرب الكل ضد الكل ؛ حيث فيها كل شيء جائز,ومفاهيم الصواب والخطأ , والعدل والجور ليس لها مكان في تلك الحال , فحيث لا توجد قوة مشتركة لا يوجد قانون , وحيث لا يوجد قانون لا يوجد جور أو ظلم .كما أن العنف والاحتيال في الحرب هما الفضيلتان الرئيسيتان, كما أنه في هذا الوضع لا توجد ملكية حيث << إنما لكل إنسان ما يستطيع الحصول عليه , وللمدة التي يستطيع المحافظة عليه>>27.
من هنا إذا كان لكل شخص التصرف وفق ما يمليه عليه رغباته ويمكنه اللجوء لأي شيء يساعده في الحفاظ على حياته ضد أعدائه , ينتج عن ذلك أن لكل شخص في هذا الوضع حقا في كل شيء فلا ضمان لأحد , مهما كان قويا أو حكيما , في الاستفادة من ذلك القسط من الحياة التي تسمح به الطبيعة عادة لبني البشر .
ويرى هوبز أن على كل شخص أن يسعى نحو السلم طالما أن هناك أملا في ذلك , وإن تعسر الحصول عليه , يجوز له أن يبحث عنه وأن يستغل جميع منافع الحرب لكن هذا لا يعني أن هوبز يدعوا إلى الحرب فقد وضع قاعدتين أساسيتين هما << الجزء الأول من هذه القاعدة يشمل على قانون الطبيعة الأول والأساسي وهو : إسع نحو السلم وابحث عنه . أما الجزء الثاني , وهو اختصار الحق الطبيعي , فهو الدفاع عن النفس بكل الوسائل المتاحة . ومن هذا القانون الأساسي والذي يأمر الناس بالسعي نحو السلم , يستمد القانون الثاني حيث يرى هوبز ؛ إن على الإنسان أن يكون مستعدا , إذا كان الآخرون كذلك , وإلى الحد الذي يعتقدون أنه ضروري من أجل السلام ومن أجل الدفاع عن النفس ، للتنازل عن هذا الحق في كل شيء , وأن يرضى بذلك القدر من الحرية تجاه الآخرين الذي يسمح لهم به تجاهه إذ طالما يتمتع كل شخص بهذا الحق في عمل أي شيء يريد , يبقى جميع الناس في حالة الحرب . وإذا لم يتنازل الناس الآخرون عن حقهم , كما يتنازل هو , فلا مبرر لأحد بأن يجرد نفسه من حقه الطبيعي , لأنه يجعل نفسه فريسة بدلا من أن يعد نفسه للسلام . وهذا القانون هو ما يسميه هوبز قانون العهد الجديد أي " ما تطلب أن يفعله الناس لك , عليك أن تفعله لهم " 28 .
لكن إذا كان هوبز يرى أن الناس بطبيعتهم يحبون الحرية والسيطرة على الآخرين**** ,فما هو السبب النهائي أو الغاية أو الهدف من وراء إدخال قيود على أنفسهم وبذلك يحدون من حريتهم ؟
يعتبر هوبز أنه عندما يتنازل المرء عن حقه أو يتخلى عنه , يكون ذلك إما بسبب حق عكسي؛ أي تم التنازل عنه لصالحه أو بسبب نفع يأمل تحقيقه بواسطة ذلك . وهو تنازل في هذه الحالة بسبب إرادي . والأفعال الإرادية للإنسان تهدف إلى تحقيق النفع له .والمرء لا يستطيع أن يتخلى عن حقه في مقاومة من يعتدي عليه بالعنف كي يسلبه حياته , إذ لا يعقل أن يرجو المرء بهذا نفعا لنفسه .ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الجروح والقيود , ليس فقط أنها لا تحمل نفعا له وإنما أيضا لأنه لا يستطيع أن يعرف إذا كان المعتدون يقصدون موته أو لا .
وأخيرا , فإن الدافع أو الهدف الذي من أجله تم التنازل أو التخلي عن هذا الحق ليس سوى الأمن على شخص الإنسان في حياته , وفي الوسائل للحفاظ عليها لئلا يضجر منها . ولذلك حسب هوبز , فإن التنازل المتبادل عن الحق هو الذي يسميه الناس تعاقدا 29.
الحق المبني على التعاقد
ولما كان الناس في حاجة إلى هذا التعاقد بسبب ما يعانونه في الحالة الطبيعية من نزاع وحرب واعتداء على الحقوق من جراء المصالح الذاتية , فإن هذه الأخيرة ( مصالحهم الذاتية ) هي التي ستدفعهم إلى التنازل عن بعض مطامعهم سعيا وراء مطامع أخرى أعظم منها . وستضغط عليهم , أيضا , ليسلكوا سبل المهادنة والتعاون والتآزر , لا حبا للغير ولكن لأنفسهم .
حيث يقوم العقد أولا وقبل كل شيء على أساس التنازل عن خير عاجل في سبيل خير آجل , والتغاضي عن حقوق طمعا في حقوق أكثر منها .
هنا يسعى الإنسان إلى تجاوز حالة الطبيعة بواسطة العقد الإجتماعي ( The Social Contract ) . ولكن في هذه الحالة لا يكون للعهود ولا للعقود أية قيمة ؛حيث لا يوجد ثقة بين الناس , الأمر الذي يستدعي وجود قوة ضاغطة لها السيادة على الجميع .
لا بد , إذن , من عقل أسمى يضع الأمور في نصابها ؛ بمعنى آخر ؛ يجب على من يملك تلك القوة الضاغطة , أن يكون له ما يمكن من أن يضطر المتعاقدين على احترام تعاقدهم , وأن يفرض عليهم عقوبات تتجاوز النفع الذي يجنونه من وراء خيانة العهود,<<فالعقود بلا سيف ليست سوى ألفاظ –كما يقول هوبز – وهنا يبدو جليا على أن عاطفة (الإحساس ) الخوف هو الإحساس الذي تقف عليه نظرية العقد الاجتماعي الهوبزية 30
إنطاقا مما سبق , يجتمع عدد من الناس , ويتفقون على اختيار حاكم أو هيئة حاكمة تمارس سلطانها على الجميع , ويتنازلون لها عن كل سلطانهم , وبهذا يوجد التنين ( The Leviathan ) الإله الأرضي الذي يدينون له جميعا بالسلام والحماية :
هذا الإله أو الحاكم المطلق تجمع في يديه كل السلط فهو يسن القوانين التي يراها ضرورية لتنظيم المجتمع , ويعين القضاة والوزراء وله القوة التنفيذية وسلطته عامة لأنها تستند على الحكومة المدنية والحاكم فقط هو من ينبغي أن يكون رئيسا للكنيسة 31
إن الطريقة الوحيدة لإقامة سلطة مشتركة , قوة يمكنها الدفاع عن الناس من الغزو الخارجي ومن الأذى الذي يسببه أحدهم للآخر , وتوفير الأمن الذي يمكنهم من العيش المريح بما حصدوه من كدهم وعملهم هي أن يمنحوا كل قوتهم لشخص واحد أو لمجلس من النواب يكون بإمكانه اختزال إرادتهم عن طريق قبولهم به بالتصويت بالأغلبية إلى إرادة واحدة . هذا يعني تعيين شخص واحد أو مجلس نواب واحد يحمل شخصيتهم , ويعترف كل منهم أنه صاحب كل تلك الأفعال التي يقوم بها أو يتسبب في عملها حامل الشخصية , في تلك الشؤون ذات العلاقة بالسلام والأمن العامين . وبهذا يلغي جميع الناس إرادتهم أمام إرادة واحدة يمنحون فيها الحق لكل أحكامه , وهذا يعتبر أكثر من الاتفاق والوئام , انه وحدتهم الحقيقية في شخص واحد . وحدة نتجت عن اتفاق كل شخص مع كل شخص آخر , وبالشكل الذي يمكن للواحد أن يقول للآخر : أخول ذاك الشخص أو ذاك المجلس , وأتنازل له عن حقي في حكم نفسي , وذلك شريطة أن تتنازل عن حقك له ,إن تصادق على أعماله مثلي . عندما يتم ذلك , فإن الجمهور الذي اتخذ في شخص واحد يسمى المجتمع أو الدولة<< وهي باللتينية Civitas وهذا يخلق التنين - Léviathanكما أشرنا إلى ذلك- الذي يحفظ سلامة وأمن الدولة وبناء على هذا التفويض الذي يعطى له من طرف كل شخص في المجتمع فإن عليه استعمال تلك القوة الكبيرة التي منح إياها, والتي يمكنه التلويح بها في صياغة إرادتهم جميعا من أجل السلام ومن أجل الدعم المتبادل . وبه تتكون الدولة والتي هي شخصية واحدة , والتي هي بناء على عقود متبادلة صادق كل فرد من الجمهور على أعمالها , لكي يتسنى لها استخدام قوتهم ووسائلهم جميعا , وكما تجد ذلك جيدا من أجل السلامة والأمن العامين . وصاحب تلك السلطة الفردية يسمى العاهل Sovereign وهو صاحب السلطة السيادية Sovereign Power وكل فرد غيره رعية Subject , ومن هنا يتأسس المجتمع>>32 .
ويحدد هوبز لهذا المجتمع قوانين مدنية تمنح للعاهل امتيازات كبيرة يحددها في عشر لكن شريطة أن يضمن العاهل الاستقرار والسلام كما يحدد هوبز قوانين مدنية تضمن حقوق الإنسان الطبيعية حيث أن << القانون المدني والقانون الطبيعي ليسا نوعين مختلفين وإنما جزءان مختلفان للقانون : جزء مكتوب يسمى مدني وجزء غير مكتوب يسمى طبيعي ولكن الحق الطبيعي , أي الحرية الطبيعية للإنسان , قد تكون مقيدة ومختصرة من القانون المدني .والهدف من سن القوانين ليس سوى تلك القيود التي بدونها لا يمكن للسلام أن يسود .33
من هنا يمكن أن نستنتج أن الهدف الأساسي الذي سعى إليه هوبز هو إحلال السلام , وذلك بمنح الملك صلاحيات واسعة على حساب الشعب لكن أبرز إسهام قدمه هوبز في مسألة الحق هو طرحه مسألة الحقوق الطبيعية وكذلك مسألة العقد وبذلك قد فتح المجال أمام فلاسفة آخرين للتناول هذه المسألة لكن بأكثر جرأة ومن بين هؤلاء نجد جون لوك فكيف تناول جول لوك مسألة الحق الطبيعي والحقوق المدنية ؟
2- جون لوك - John Locke) 1632-1704)
ولد لوك بعد توماس هوبز بأربع وأربعين عاما أي في العام 1632 وعايش مرحلة عودة أسرة ستيوارت إلى الحكم في إنجلترا عام 1660وتحول من تأييده البرلمان – حيث كان متأثرا بوالده الذي كان في صراع ضد السلطة الملكية –إلى تأييد الملك شارل الثاني من أسرة ستيوارت ,آملا بتمكن هذه الأسرة من إعادة الاستقرار لإنجلترا 34 .
ويعتبر لوك أحد ممثلي الاتجاه التجريبي في الفلسفة في القرن السابع عشر , لهذا سيفرض الفكرة القائلة بأن الحقيقة النهائية قد وصل إليها البشر سواء في العلم أو في السياسة أو الحياة الإنسانية ؛ فالحقيقة في نظره , ليست سوى احتمال يمكن أن يتغير إذا ما ظهرت وقائع جديدة تغير في معتقده القديم .
وبناءا على هذا , فالرأي المعارض قد يكون له قيمته ومبرراته مادام لكل أن يقول بحسب ما ينتهي إليه تجاربه ,الأمر الذي يجعل النزعة التجريبية في السياسة , ترتبط بالدعوة إلى حرية التعبير عن الرأي . ويعد لوك مؤسس هذا الاتجاه التجريبي في السياسة , كما في نظرية المعرفة .إضافة إلى كونه , أيضا , مؤسس الاتجاه الديمقراطي والليبرالي في الفلسفة السياسية , وكان من أهم ركائزه الثورة على الحكم التعسفي والسلطان المطلق للملوك والكنيسة 35
أ - رد لوك عن فلمر حول حق الملكية
أتت أفكار جون لوك مناقضة لأفكار سير روبرت فلمر 1588-1653Sir Robert Filmer المنظر السياسي الإنجليزي الذي حاول تبكيت نظريته , والتي تمثل نموذجا للانتصار إلى الحكم المطلق القائم على أساس الحق الإلهي, وقد قام لوك في الرسالة الثانية بعرض نظريته السياسية والتي شكلت أساس اللبرالية السياسية التي دعمها << مل >> الأب والابن فيما بعد , وأقيمت عليها الديمقراطية في الولايات المتحدة , مما جعل الأمريكيين أنفسهم يصفونه بقولهم << فيلسوف أميركا >> وواضع لفكرها السياسي 36. وفي كتابه << رسالتان في الحكم المدني>> خص جون لوك الرسالة الأولى للرد على مبادئ الحكم التي تقوم عليها نظرية فلمر والتي أوردها في كتابه << الحكم الأبوي >> Patriarchch والذي نشر بعد وفاته 1680 حيث دافع – فلمر -فيه عن الحكم المطلق الذي يستند إلى الحق الإلهي , واعتبر فيه أن البشر ليسوا أحرارا بالطبع , لأن العناية الإلهية قد أخضعتهم لإرادة الحاكم المطلقة وهم جميعا يولدون عبيدا ويستحيل أن يكون للعبيد حق التعاقد , وقد كان آدم حاكما فردا مطلقا , وتلك حال جميع الحكام اللذين خصهم الله بالحكم من بعده.
ويرى أن الأبوة بدأت منذ <<آدم >> واستمرت كأساس للأمن والنظام في العالم من خلال شيوخ إسرائيل << فلم يكن لآدم وحده بل لشيوخ اللاحقين أيضا , السلطة الملكية على أولادهم باسم الأبوة >>37 . وهذه السيادة على العالم كله التي كان ينعم بها آدم بأمر من الله –حسب فلمر – بات ينعم بها شيوخ إسرائيل بحق وراثي منحدر منه . وهي تشبه في مداها السيادة المطلقة التي يتمتع بها أي ملك منذ بداية الخليقة , وهي السلطة على أرواح الناس , وعلى إعلان الحرب وإقرار السلم.
وإذا كانت السلطة الملكية منبثقة من الشريعة الإلهية- على حد تعبير فلمر- , وليس ثمة شريعة دنيا تحد منها فقد كان آدم سيد العالم ومالك كل شيء وليس للناس حق في الملكية 38 .
ويشدد فلمر على أنه ينبغي أن يكون الملك في نظام الحكم الملكي فوق القوانين , فالمملكة الكاملة هي التي يحكم الملك كل شيء فيها بحسب إرادته >> 39 .
واحتج فلمر بالتصور الديني للتمسك بالحكم المطلق للملوك حيث رأى بأن ؛ الله خلق آدم وحده, وصنع المرأة من أحد أضلاعه , وهكذا تناسل الجنس البشري منهما .كما أن الله خلع على آدم السلطة على المرأة وأولاده المنحدرين من صلبه >>40 .
كما أنه –حسب فلمر-أعطاه السلطة على الأرض لكي يسخرها بإرادته وعلى المخلوقات ,ولا يتاح لأي امرئ أن يطالب بشيء ما, أو يتمتع به , ما دام آدم ترك السلطة للحكام على سبيل الهبة أو بالوراثة .
لكن جون لوك يناقش هذه الأفكار في صفحات مطولة في الرسالة الأولى من كتابه ويجعلها بعنوان << في بعض المبادئ الفاسدة في الحكم >> وهو يرفضها على اعتبار :
أن ما جاء به فلمر من أن كل فرد يصبح بحكم المولد , مسخرا بمحض ولادته لمن يلده . فكرة باطلة , وذلك لأن إنجاب الأب لأبنه لا يجعله عبدا له . ولقد ترتبت عن فكرة فلمر أن الناس يولدون عبيدا وما دام قد تم تفنيدها فإنه يلزم عن ذلك أن البشر جميعهم أحرار من هذه السلطة الأبوية .
ويرى لوك أنه إذ من الخطأ اعتبار بأن السلطة على الأولاد هي مصدر كل سلطة في الحكم , فهناك كثرة من الأحكام المستبدة لا صلة لها بعلاقة الأب بأولاده داخل المجتمع الصغير الذي هو الأسرة ,ومن ناحية فإن سلطة الأب على أبنائه تستمر ما داموا لم يبلغوا سن الرشد أما في مرحلة النضج فإنهم يصبحون مسئولين عن أنفسهم , ومعنى ذلك أن سلطة الأب ليست مطلقة وإنما هي مؤقتة ومحددة بفترة معينة هي التي يكون فيه الأبناء محتاجين للرعاية << سلطة الأبوين على الأطفال هي سلطة لا تقصي حرياتهم لأنهم غير قادرين على تدبير أمورهم >>41 . لذلك هي سلطة ليس كما حاول إثباتها فلمر كما أن العلاقة بين الملك ورعاياه ليست شبيهة بالعلاقة بين الأب وأبنائه .فالأولى علاقة سياسية أما الثانية فهي علاقة أخلاقية . ثم يرى لوك بأنه ولو افترضنا أن لآدم حق إلهي أعطاه إليه الله, فلا يعني ذلك أنه يُوٌرثه, بل ينتهي بموته ,وذلك لأن الحق المنبثق عن وصية لا يتجدد إلا بتجدد الوصية .
لكن ما يمكن إجماله في هذا الرد هو أن لوك يرى أن جميع أشكال الحكم محدودة في سلطتها , وهي لا توجد إلا برضا المحكومين والأساس الذي تنبني عليه هذه القاعدة هو أن كل إنسان حر منذ أن منحته السنة الطبيعية هذا الحق الطبيعي في الحالة الطبيعية .
حالة الطبيعة أو الطور الطبيعي
الطور الطبيعي هو وضع من الحرية التامة في قيام الإنسان بأعماله والتصرف بأملاكه وذاته كما يرتئي , ضمن إطار السنة الطبيعية وحدها ودون أن يحتاج إلى إذن أحد أو قيادته , هو وضع من المساواة أي تكافئ السلطة والسيادة وهو طور من الحرية <<وليس طورا من الإباحية حيث يتمتع الإنسان في هذا الطور بحرية التصرف بشخصه وممتلكاته , إلا أنه لا يتمتع بحرية القضاء على حياته بل حتى على حياة المخلوقات التي يملكها >>42.
والسنة الطبيعية ساوت بين كل الناس في الحقوق والامتلاك كما أنها جعلت كل الناس أحرارا في أفعالهم وذلك لإقرار السلام وبقاء النوع البشري ومن هنا كانت المساواة ولا سيادة الواحد على الآخر . وإذا تم خرق هذه السنة الطبيعية فإن خارقها يعد مجرما << فالمجرم يخرق السنة الطبيعية ,يكون كمن أعلن أنه يرتبط بقاعدة غير قاعدة العقل والعدالة العامين >> .43
ويميز جون لوك بين حالتين وهما حالة الطبيعة وحالة الحرب , حيث أن الطور الطبيعي وطور الحرب يختلفان كما تختلف حال التعاون والبقاء عن حال من العداء والمكر والعنف والتقتيل . وعندما يعيش البشر معا بحسب سنة العقل دون أن يكون بين ظهرانيهم حاكم بشيري عام يتمتع بسلطة القضاء بينهم ,فذلك هو الطور الطبيعي أما اللجوء إلى القوة والرغبة الصريحة في السطوة على شخص آخر حيث لا سلطة عامة يمكن أن يستنجد بها المظلوم فتلك حال الحرب.
وإذا كان الإنسان يولد والحرية التامة والتمتع بجميع حقوق السنة الطبيعية وميزتها دون قيد أو شرط من سماته , فله حق طبيعي للمحافظة على ملكه و حياته وحريته و أرضه – <<ودفع عدوان الآخرين وأذاهم أولا, والحكم في كل فرق لتلك السنة إنزال العقوبات التي يستحقها المجرم في اعتقاده, حتى عقوبة الموت منها , على الجرائم التي تستحق عنده مثل تلك العقوبة لفظاعتها >> 44.
وقد حاول لوك أن يؤسس لنظرية جديدة في السلطة لا تقوم عل التصور الثيولوجي وإنما على تصور سياسي, إذ أن السلطة السياسية هي : << إذن حق سن الشرائع وتطبيق عقوبة الموت وما دونها من العقوبات للمحافظة على الملكية وتنظيمها , واستخدام قوة الجماعة في تنفيذ هذه الشرائع ودفع العدوان الخارجي عن البلاد >> 45.
ثم بين لوك أنه لكي نفهم هذا التعريف فهما جيدا فلا بد أن ندرس الوضع الطبيعي الذي كان البشر عليه –أي وضع الحرية-. إذ ليس ثمة ما هو أوضح من الكائنات من نفس النوع والرتبة تولد مستمتعة بكل مميزات الطبيعة , وبكل قواها , ولهذا ينبغي أن تتساوى كل التساوي فيما بينها دون أن يسخر أحدها للآخر أو يخضع له 46 .
وهكذا نجد لوك يتحدث حقوق أساسية لدى الإنسان, وهي حق في المساواة الحرية في دراسة فلسفية من منظور سياسي ساهم في وضع مجموعة من الإعلانات الحقوقية وحيث ترجمت هذه الفلسفة في << الإعلان الأميركي للاستقلال >> الذي صدر أثناء ثورة المستعمرات الأمريكية في سبيل الحكم الذاتي , والحياة الوطنية , وعبر أصدق تعبير عن روح العصر الجديدة , وجاء متفقا مع ما نظر إليه جون لوك 47.
الحقوق الطبيعية والمدنية عند جون لوك
طرح جون لوك مجموعة من الأفكار حول مفاهيم حقوقية – كحق الحياة – وحق الملكية – والحق في الحرية –والمساواة. لكن لا ينبغي أن نفهم حرية البشر على أنها تعني أن الناس لا يضبط سلوكهم أي قانون,إذ لوك يعتبر أنه حتى في الحالة الطبيعية فإن العقل هو هذا القانون الطبيعي الذي يعلم جميع البشر إذا استشاروه , إنهم جميعا متساوون أو مستقلون , ولا ينبغي لأي أحد أن يلحق الأذى بحياة غيره أو صحته أو حريته ...ولما كان الجميع مزودين بملكات طبيعية واحدة مشتركة , فلا يمكن أن نفترض أن هناك إنسانا يخضع لغيره , أو أن يكون هناك من له الحق في تدمير غيره , كما لو كان سخر من أجل أن يستخدمه الآخر 48.
ويعتبر لوك أن للبشر منذ ولادتهم حق البقاء , وما يلحق به من مأكل ومشرب وما شابه من الأمور..وقد منحت الأرض للناس من أجل بقائهم ورفاهيتهم. ومع أن الجميع الثمار الطبيعية التي تنتجها, ملك للبشر جميعا , لأنها من نتاج الطبيعة التلقائي, فليس لأي فرد حق أصلي في الاستئثار بشيء منها دون سائر البشر.
لكن في أصل الملكية التي تحدث عنه لوك ليس لأحد ملكية خاصة يستعبد بها البشر, وهذا يعني أن لكل إنسان حصة في ملكية كل شيء وهذا يعني أنه لا أحد في البداية يملك شيئا, فكيف يمكن لأي فرد أن يملك شيئا ؟
إن الإنسان لا يملك ذاته أو شخصه فحسب , وإنما هو يملك أيضا نشاطه ومجهوده في العمل الذي هو امتداد لشخصه إذ أن عمل جسده أو نتاج كده, وعمل يديه هو ملك له وحده .فالملكية التي يحوز عليها الفرد في البداية هي ملكية شخصية, وملكية عمله وهما الأصل في الملكية الطبيعية وامتلاك الأشياء بل هما الأساس في كل ملكية أخرى في حالة الطبيعة إذن كل ملكية أخرى هي مشتقة من هذا الأصل , أعني من الملكية الطبيعية الأصلية الغير مشتقة<< الأرض وكل ما عليه من المخلوقات ملك مشترك بين البشر, إلا أن لكل فرد حق الملكية الخاصة وهو حق لا ينازعه فيه منازع 49. هذا الحق الذي يصبح خاصا إذا دخل فيه مجهود الشخص وبذلك الملكية تساوي العمل .
إن لوك لم يتناول مفهوم حق الملكية واعتباره الحق الوحيد الطبيعي , إذ أن كتاباته تدل أن الحقوق الطبيعية كثيرة منها حق الحياة والحرية , والملكية..وأهم ما يميزها أنها خصائص بالفرد تولد معه , وبتالي فهي حقوق قبل كل من المجتمع والحكومة ولا يمكن نقضها , أو التنازل عنها , بل إن المجتمع نفسه وجد لحمايتها ,ومنه لا يمكن فرض قيود على حقوق الإنسان الطبيعية في الحياة والملكية والحرية إلا بهدف حماية الآخرين الذين يتمتعون بنفس هذه الحقوق , ومن ثم كان العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين المحكومين والسلطة الحاكمة بهدف المحافظة على هذه الحقوق الطبيعية للإنسان والذي يؤدي إلى التزامات متبادلة قبل كل منهما : فالسلطة الحاكمة تلتزم قبل الأفراد بتنظيم الجماعة , وإقامة قدر من العدل , وعدم المساس بحقوقهم التي لم يتنازلوا عنها عند دخولهم طرفا في العقد , وبذلك تكون السلطة الحاكمة مقيدة , وسلطتها غير مطلقة .
ومن هنا نجد لوك يقرر مجموعة من الحقوق التي هي حقوق طبيعية قبل أن تكون مدنية ويمكن أن نجملها فيما يلي :
– أن الناس جميعهم أحرار ولهم الحق في المساواة << أي المساواة التي أشرت إليها أعلاه والتي تتصل بموضوعنا , وهي حق كل امرئ بحريته الطبيعية والاستقلال عن إرادة أي امرئ آخر وسلطته , وهو حق يتساوى فيه الجميع >>50
- حق الدفاع عن النفس ؛ لكن يميز لوك بين صنفين من هذه الحقوق حق الدفاع المباشر أي في لحظة هجوم شخص عن آخر لمحاولة القتل ولا يكون لديه الوقت للالتجاء إلى القانون الذي تم التعاقد عليه ,ودفاع غير مباشر يكون خلاله المعتدى عليه له إمكانية تفادي الخطر والالتجاء إلى السلطة << إذ خلعت السنة الطبيعية حق الفتك بمن يشن الحرب علي ويهددني وبالهلاك ... أما في الحالة الثانية فحياتي لم تكن في خطر , فكان لي فرصة الالتجاء إلى القانون والتعويض >> 51
– حق المرأة في مساواتها مع الرجل << سواء اعتمدنا دليل العقل أو دليل الوحي وجدنا أن لها مثل حق الأب , بما يدفعنا إلى التساؤل , لما لا تدعى تلك السلطة الأبيوين >> 52
- حق تعديل القوانين وتغيير الحكومة بالثورة في حالة عدم التزامها بالعقد . لأن من يستخدم القوة في إكراه الشعب دون مسوغ شرعي وينقض الأمانة التي جهد بها الشعب إليه , إنما يعلن الحرب على الشعب وعندها يحق للشعب أن يعيد تنصيب الهيئة التشريعية . <<فلشعب الحق أن يخلع عنوة أي قوة تحاول أن تصرفه عما هو ضروري للمجتمع وعما تقوم عليه سلامة الشعب وبقاؤه , لأن علاج القوة غير المشروعة في جميع الأحوال والأوضاع هو معارضتها بالقوة .فمن يلجأ إلى استخدام القوة الغير المشروعة يبيت في حال الحرب , من حيث هو معتد , فيسوغ عندها معاملته كما يستحق 53
- حق التمثيل السياسي لكل فرد حيث كلما انتخب الشعب ممثليه على أسس عادلة ومتساوية تتفق مع دستور الحكومة الأصلي , كان ذلك تعبيرا عن إرادة المجتمع .
يعتبر لوك , إذن , أن للإنسان في حالة الطبيعة حقوقا طبيعية ملازمة له , وهي الحق في الحياة والحرية , والمساواة , وأخيرا الحق في الملكية الخاصة .إن هذه الحقوق الطبيعية تولد مع الإنسان وتلازمه ولذلك لا يمكن نزعها منه أو تقييدها , خاصة عندما نعرف بأن المجتمع المدني لا ينشأ إلا لحمايتها على أفضل حال .
ولما كان الإنسان يولد , كما أتينا على ذلك في هذا الفصل , والحرية التامة والتمتع بجميع حقوقه الطبيعية وميزتها دون قيد, فله حق طبيعي بالمحافظة على ملكه وحريته وأرضه .. ودفع عدوان الآخرين وأذاهم أولا , والحكم في كل فرق لتلك السنة وإنزال العقوبات التي يستحقها المجرم لخرقه قوانين هذه السنة .
الحقوق المتخلى عنها أثناء لبدخول في الحالة المدنية
لكن يستحيل أن يقوم مجتمع سياسي أو استمراره ما ليسند إليه وحده سلطة المحافظة على الملكية وعلى معاقبة كل من يسطو عليها في ذلك المجتمع , فليس من مجتمع سياسي إلا حيث يتنازل كل فرد عن هذا الحق الطبيعي , أي حق ( القصاص ) للجماعة , تنازلا تاما شرط أن لا يحال بينه وبين اللجوء إلى القانون الذي تقره تلك الجماعة . وإذ يبطل الحكم الفردي على الفرد تصبح الجماعة , الحكم الوحيد الذي يفصل في كل الخصومات التي قد تنشأ بين أفراد ذلك المجتمع في القضايا الحقوقية , بناءا على قواعد عادلة يطبقها رجال خولتهم الجماعة لتطبيقها ( السلطة التنفيذية ) , وتنزل بالفرد الذي يرتكب جرائم ضد المجتمع العقوبات التي أقرها القانون ( السلطة التشريعية ) . ومن هنا يتبين – حسب لوك – بين من يعيش في مجتمع سياسي ومن لا يعيش , .فكل من يؤلفون جماعة واحدة ويعيشون في ظل قانون تابت وقضاء عادل يلوذون بهما وبوسعهما البت في الخصومات التي تنشأ بينهم ومعاقبة المجرم منهم , فإنما يعيشون معا في مجتمع مدني أما الذين لا ملاذ عام لهم على الأرض , فهم ما يزالون في الطور الطبيعي.
وغرض المجتمع المدني السياسي هو الحفاظ على ملكية الأفراد , وإذا كانت السنة الطبيعية تخول للفرد الدفاع عن حق ملكيته ولو بالقوة فإنه يتنازل عن هذا الحق للقانون الذي يخرق هذه السنة والذي يصبح ضامن له حقه , ومن ثم << قد خول للدولة حق تسخير قوته في تنفيذ أحكامها كلما دعت الحاجة إلى ذلك , إذ أن تلك الأحكام أحكامه هو , لأنها من وضعه أو من وضع ممثليه >> 54 .
لقد اعتبر لوك كشرط أساسي لولوج الحالة السياسية ؛ بأنه ينبغي على الإنسان التنازل عن نوعين من الحقوق والسلطات الطبيعية , دون إكراه لحساب المجتمع السياسي ؛ فالحق الأول , يتجلى في استخدام الإنسان لسلطته على الطبيعية بالأسلوب الذي يراه مناسبا للحفاظ على بقائه وبقاء سائر البشر . وهو لا يتخلى عن هذا الحق للمجتمع السياسي إلا لتكون هذه السلطة مضبوطة ومدارة بقوانين المجتمع الموضوعة .
أما الحق الثاني فكان يتمثل في استخدام الإنسان لقوته الطبيعية لمعاقبة الجرائم المفترضة ضد القوانين الطبيعية؛ وهو لا يتخلى عن هذا الحق إلا ليساعد السلطة التنفيذية في المجتمع السياسي لكي تستخدم قوة الجماعة في تنفيذ هذه القوانين .
ومن هنا , تكون السلطة التشريعية , والسلطة التنفيذية اللتين يستخدمهما المجتمع السياسي لحماية الحقوق الطبيعية للأفراد ولملكياتهم ليستا سوى السلطة الطبيعية لكل إنسان والتي عهد بها إلى الدولة كأفضل طريقة لحماية الحقوق التي لكل إنسان حق فيها .
هذا هو العقد الاجتماعي الأساسي الذي أجراه الأفراد متفقين ومتحدين للانتقال من حالة الطبيعة إلى المجتمع السياسي الذي يتمتع بالسلطة المدنية التي لها حق صنع القوانين مع العقوبات , لتنظيم الملكية والمحافظة عليها , وحق استخدام قوة الجماعة في تنفيذ أمثال هذه القوانين , وكل هذا في سبيل الخير العام فقط 55.
لكن هذه المسيرة في الدفاع عن الحقوق عن طريق العقد لن تتوقف عند جون لوك و هوبز بل سنجدها عند فيلسوف متأخر عنهما وهو جون جاك روسو فكيف تناول روسو مسألة العقد الاجتماعي و الحقوق الطبيعية والمدنية ؟
جان جاك روسو (Jean-Jacques rousseau1712-1798)
نظرية العقد الاجتماعي
ترتكز نظرية العقد الاجتماعي , عند جان جاك روسو , على أساس قوة الحق والقانون الضامن لحرية الأفراد وحقوقهم فهي حرية مشتركة , نابعة من الإرادة العامة للأفراد جميعهم , إذ يتنازلون عن بعض حرياتهم لفائدة السلطة أو الدولة , وهو تنازل لصالح حقوقهم وضمان أمنهم وسلامتهم , فالضامن الوحيد لهذه الحقوق هو القانون أي << العقد الاجتماعي الذي يعتبر في الدولة أساسا لجميع الحقوق >>56 والذي تطبقه الدولة بإرادة الشعب .
ويؤكد روسو على أهمية الحالة الاجتماعية والتمدن , حيث أنها ضرورية وجد هامة , في حياة الأفراد لأن <<الانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية أوجد في الإنسان تبدلا ملحوظا , إذ احل سلوكه , العدل محل الوهم الفطري , وأكسب أفعاله أدبا كان يعوزه من قبل ,عند ذاك فقط , إذ حل صوت الواجب محل الباعث الجسماني والحق محل الشهوة 0..واضطر الإنسان الذي كان اليوم ينظر إلى نفسه , اضطر أن يسير على مبادئ أخرى ,أن يستشير عقله قبل أن يصغي إلى ميوله >>57 فهي تجعل من الإنسان يحترم الآخر ويساعده, وتضمن إمداده بالعون **, فهي على عكس الحالة الطبيعية التي تتأسس وتبنى على اتفاق مشترك بين الأفراد لذلك فاحترام حرية الآخر وحقوقه شرط لازم تضمنه حالة التمدن وذلك وفقا للقانون . 58
ويرى روسو بأن الاتفاق السليم إنما يقوم على موافقة جميع الإرادات الحرة لجميع أفراد الشعب , بحيث يكون الالتزام الاجتماعي للفرد داخل الجماعة التزاما حرا وذاتيا . إنه نوع من الإتحاد يحمي كل فرد وممتلكاته ويدافع عنها, إذ باستخدامه القوة العامة للمجتمع يطيع الإنسان الفرد نفسه فقط , بالرغم من أنه متحد مع الباقين وبالتالي فهو يبقى محتفظا بأقصى درجات حريته وهذا الهدف من العقد الاجتماعي.
فالدولة تجسد حقوق الشعب وتمثل إرادته , والحاكم الذي نصبه الأفراد لا يملك السلطة المطلقة ولا يملك القوة, كما ذهب إلى ذلك هوبز, بل إن السيادة دائما للشعب ويؤكد روسو ذلك :
بمعنى أن التنازل الكلي لكل فرد يكون من أجل المجتمع حقوق مشتركة عامة , فهذا التنازل عن الحق الفردي يعطي الوجود تأثيرا فعالا داخل الإرادة العامة , لكونه يمثل العام والمجتمع ككل , وليس الخاص أي الفرد .
ومن ثم يكون العقد الاجتماعي مخلص من كل العوائق التي تخلفها الإرادة الخاصة الفردية , والتي لا تخلو من الأنانية وسلطة الذات من أجل الذات فقط.فإذا لم يوجد اختلاف في المنافع الفردية , يخلق إحساس بالمنفعة المشتركة التي لا ينجم عنها أية عوائق , وتتكون لدينا مصلحة مشتركة خالية من كل الصعاب والعوائق 59
هكذا تأسست الحقوق وفق القانون الذي وضعته الدولة بإرادة الشعب , فهي تمثل الحقوق المستمدة من الطبيعة الإنسانية الخيرة والمحبة للحق و للفضائل –حسب روسو-, هذه الحقوق التي لم يكن الإنسان في الحالة الطبيعة ممكنا التمتع بها كحق الحياة والحرية والأمن والمساواة ..كما أن الحق ليس ضد الطبيعة ولكنه تنظيم وحماية للحقوق التي تمليها الطبيعة الإنسانية من هنا كانت الإرادة العامة للشعب هي المؤسس الحقيقي للقوانين .
ويؤكد روسو بأنه داخل كل شخص أو فرد يوجد فعل خالص متفق عليه ( الضمير ) , يحث على الصواب والتعقل والتخفيف من حالات الشهوة والرغبات الطبيعية ,هذه الإرادة العامة من صفاتها أنها تحقق السعادة للأفراد فهي لا تخدع الأفراد أو تغشهم في حقوقهم أبدا 60 .
فهذه الإرادة العامة أو الجماعية للأفراد , تعمل على التجريد وتجاوز الإرادة الخاصة ؛ أي << ليست هناك إرادة خاصة فوق إرادة الدولة>>61 بل هناك إرادة الشعب وهذا هو القانون << الذي ينظر إلى (الرعايا ) على أنهم أجسام وإلى الأفعال على أنها مجردة , ولا ينظر إلى الإنسان على أنه شخص , ولا إلى الأفعال خاصة ..ويمكن تحديد الصفات التي تخول حق الحصول عليها , ولكن لا يمكنه أن يسمي فلانا أو فلانا >> 62فهي تعمل دوما من أجل خدمة الحقوق المشتركة , وبالتالي فهي تتميز بكونها دوما على صواب مستقيمة ولا يمكنها أن تزوغ عن العقل المشترك أو المصلحة المشتركة للأفراد .63
هكذا نجد أن العقد الاجتماعي لا يتمخض حسب روسو عن تكوين المجتمع كتنظيم سياسي فحسب , وإنما يحدد أيضا العلاقات المتبادلة بين الشعب وبين الذين انتخبوا من طرف هذا الشعب. وهذا العقد هو الذي يجعل << كل المواطنين متساويين كلهم , بحكم العقد الاجتماعي , فإن ما يجب عمله عليهم جميعا يمكنهم جميعا أن يفرضوه فرضا >> 64 .
إذا العقد الاجتماعي عند جون جاك روسو هو الضامن للحقوق في الحالة المدنية << السياسية >> لكن هذا العقد فهو لم يأت لتجاوز الحق الطبيعي للأفراد ولكن هو لحمايتها.
الحقوق المكتسبة من حالة التمدن
وأول الحقوق التي تناولها روسو هي حق الإدلاء بالرأي حيث يقول << فإن حق الإدلاء بصوتي هذا , فيما يتعلق بتلك الشؤون , هو كاف لأن يفرض علي واجب الإلمام بها >> 65 .
ويرى بأن الإنسان كان حرا يتمتع بكل حريته وهو حق طبيعي لكن بفضل التمدن – في النظام المدني – أصبح الإنسان تحت نير عبودية من نوع خاص , وهذا الانتقال لم يكن بالقوة بل هو بالتراض لأن استعمال القوة وحدها في رد الحرية << ما دام شعب ما مكرها على الطاعة فأطاع , فحسنا يفعل , فإذا أصبح في مقدوره أن يخلع عنه النير في الحال , فخلعه , فأفضل شيء ما يفعله . لأنه , باسترداده لحريته , بالحق نفسه الذي انتزع به تلك الحرية منه , لا يعدو أن يكون بين أمرين فإما أن يكون على حق في استردادها و وإما أن غاصبيه ما كانوا على حق في انتزاعها منه ولكن << النظام الاجتماعي حق مقدس يتخذ أساسا لجميع ما سواه من الحقوق , على انه لا ينبثق من الطبيعة أبدا , فهو إذا على أسس من العهود , ولا بد من الإلمام بهذه العهود >> 66
ويرى روسو بأن القوة لا تصنع الحق كما ذهب إلى ذلك هوبز لأن لا قيمة للحق الذي يزول عند انقطاع القوة وفي الطاعة بالقوة ينتفي الواجب حيث أن << القوة لا تصنع الحق , وأننا لا يفرض علينا الخضوع إلا للسلطات الشرعية >> 67
يخسره الإنسان -حسب روسو- من الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية حريته المطلقة والتي كانت لا حدود لها في عهد الطبيعة إذ<< تنزل الإنسان عن حريته يعني تنزله عن صفته إنسانا , وعن حقوقه الإنسانية وحتى عن واجباته , وليس هناك من تعويض ممكن لمن يتنزل عن كل شيء , وتنازل كهذا يناقض طبيعة الإنسان .ونزع كل حرية من إرادة الإنسان هو نزع كل قيمة روحية لأعماله >> 68لكن يستعيض الإنسان بحرية أخرى يسميها روسو بالحرية المدنية حيث يصبح له القدرة على التملك بموجب عقد يضمن حقه .
ويعتبر روسو أن الحرية التي تحدها الإرادة العامة وذلك بطاعة القانون هي في نفس الوقت حرية .– أي إطاعة القوانين – إذ أن الإنسان يكتسب حرية أدبية تجعل منه سيد نفسه. حيث أن في تنازله عن حريته المطلقة فهو اجتناب لما يمكن أن تنتجه هذه الحرية من عبودية << لأن الباعث المندفع من الشهية وحدها هو عبودية , والطاعة للقانون الذي فرضناه على أنفسنا هي حرية >> 69 . ويرى روسو بأن الحقوق الإنسان يجب أن تشمل الإنسانية جمعاء أي أن تكون كونية . إذ يقول << أعمروا الأرض بالسكان على قدم المساواة , وانشروا في كل مكان حقوق الإنسان , واحملوا , إلى سائر أرجاء العالم الرخاء والحياة , فبهذا تصبح الدولة >> 70 ., كما أنه لا يجب أن يبقى للعبودية مكان على وجه الأرض لأن حق الاستعباد باطل لا لأنه غير شرعي فحسب بل لأنه لا يقبله العقل << فهاتان الكلمتان " عبد " و " وحق " متناقضتان كل التناقض , والواحدة تنفي الأخرى " 71 ومن هنا نجد بأن متى وجدت العبودية انتفى الحق وكل دولة لازالت العبودية مستشرية فيها فهي لا تزال في الطور الطبيعي .
لذلك يرى روسو أن في كل دولة يجب أن تنشأ هيئة للدافع عن الحقوق الإنسان يسميها بهيئة المحاماة عن حقوق الشعب وهي التي تحافظ على القوانين وعلى مهام السلطة التشريعية كي لا تتجاوز صلاحياتها << وهيئة المحاماة عن حقوق الشعب , إذا كانت مقيدة بحكمة , فإنها تصبح أثبت سند للقانون الأساسي الصالح , ولكنها لو زادت قوتها أكثر من اللازم , وإن قليلا , لقلبت كل شيء >> 72
ج - في حق معاقبة المجرم وحق العفو الشامل
أول المبادئ التي يتناولها روسو في هذا الحق هي << أن لكل إنسان الحق بتعريض حياته للخطر , حفظا لها >> 73فلا أحد له الحق في منع الإنسان من حرية أخد القرار في قتل نفسه, لكن شريطة أن لا يمس بحياة الآخرين .ولما كانت غاية العقد الحفاظ على أمن المواطنين والوسيلة هي القانون, فإن كل من اعتدى على هذا المكتسب الذي تمنحه الحالة المدنية فإنه يصبح متمردا وخائنا للوطن بما ارتكبه من آثام , وقد أزيلت عنه صفة العضوية فيه بانتهاكه حرمة قوانينه بل يصبح محاربا للإرادة العامة. ومنه فإن حق الإعدام مشروع على اعتبار أن من أبرم عقدا مع الدولة في الحفاظ على أمنه يسري عليه وعلى كل الناس لكن ينقضه فهو بذلك لا يصبح مواطنا وإنما عدو الدولة .
لكن الإكثار من العقوبات هو دليل ضعف أو كسل في الحكومة , إذ ليس من طالح إلا وفي الإمكان جعله صالحا لأمر ما , ولا يوجد الحق في بالإعدام حتى ولو كان في ذلك عبرة , إلا ذلك الذي لا يمكن استبقاؤه دون أن يكون في ذلك خطر 74 ويقترح روسو أن يكون هناك حق هو << العفو الشامل أو إعفاء المذنب من العقاب الذي فرضه القانون وحكم به القاضي >>75 لأن في الدول ذات الحكم الصالح يقل عدد العقوبات , لا لأن حق العفو يمارس كثيرا بل لأن المجرمين قليل عددهم .
من هنا يتضح أن روسو يضع مجموعة من الضوابط التي يجعلها في العقد الاجتماعي والتي هي ليست تجاوز للحقوق الطبيعية وإنما هي لحمايتها أولا وتنظيمها ثانيا في علاقات تجمع بين الحاكم والفرد والكنيسة في علاقة موازية لا يكون فيها الدين خادم الدولة ولا مهيمنا على الأفراد كما أن الدولة لا تفرض سياساتها من هوى الحاكم, << إذ أنه مهما كان شكل الحكم في الدولة , فالسلطة الحاكمة ينبغي أن تحكم على أساس قوانين صريحة مسلم بها , لا على أساس أوامر مرتجلة وقرارات مبتدعة>>76.
خلاصة
إذا لقد شكلت نظرية العقد الاجتماعي ,أساسا للتمتع بجملة من الحقوق المدنية , والتي علق عليها روادها ( هوبز ولوك وروسو ) آمالا إيجابية لإنقاذ البشرية من الضلال والاستبداد والتوحش البدائي, محاولين إدخال الفرد في مجتمع مدني يضمن حقوقه قوانين يضعها الإنسان لاستقراره وأمانه وطمأنينته , هذا ما اتفق عليه كل الفلاسفة الذين تناولناهم أي فلاسفة الحق الطبيعي ,غير أن زاوية نظر هؤلاء اختلفت من واحد لآخر فبالنسبة لهوبز يرى أن الطبيعة البشرية في حالة الطبيعة , يطبعها الفوضى وعدم الاستقرار والعنف , فهي حرب الكل ضد الكل , إذ لا وجود للأخلاق والقيم , ولا للحق ولا القوانين , فهي حياة تنبني على معادلة البقاء للأقوى والأصلح, وبالتالي فهو يرى بأنه لا بد من تأسيس حياة سياسية جديدة تضع التعاون مكان العنف والجور والأنانية . وحتى يتحقق ذلك حسب هوبز- لا بد من تنازل الأفراد لشخص واحد عن كل حقوقهم وحرياتهم , وليس البعض منها , لأن في ذلك استمرار للتطاحن والنزاع .فالحاكم هو القادر لوحده ضمان أمن وسلامة حقوق الشعب . ومن هنا يتضح أن هوبز من دعاة الملكية المطلقة , فهو يعتبر أن العقد الاجتماعي يلزم الأفراد بالتنازل عن جميع حرياتهم وأنانيتهم لصالح الملك , في حين نجد لوك يؤكد على أنه ثم التنازل عن بعض الحقوق فقط أي الجانب الذي يتيح للسلطة العامة القيام بوظائفها اتجاه الأفراد , أما حقوقهم الطبيعية , فلا يصح لها أن تتدخل فيها ( حق الحياة والحرية والملكية الخاصة..) .لكن هذه الحقيق لم يتمتع بها الإنسان في الحالة الطبيعية . الشيء الذي جعله عن وعي منه وبإرادته , أن يختار العيش داخل مجتمع سياسي مدني يسوده روح التضامن والتعاون وذلك تحت سلطة القانون الذي يحفظ الحقوق . لكن لوك يرى بأن الحاكم أو الملك فهو مشارك في العقد على عكس هوبز الذي اعتبره طرفا خارجا عنه وبالتالي فالملك أو الحاكم بصفته مشاركا في العقد فهو ملزم باحترام ما اتفق عليه داخل العقد , وإلا فمن حق الشعب عدم طاعته.
إذا إن نظرية العقد الاجتماعي , تمثل أساس نشوء النظرية الديمقراطية المؤسسة للمجتمع الليبرالي لا حقا , هذه النظرية التي تناولها روسو بعمق وتميز تحليله بشكل مخالف لكل من هوبز ولوك والتي اعتبرت أكثر جرأة من حيث نقد النظام الاستبدادي وكذلك محاولة تجاوز الرؤية الأحادية للكنيسة والدين .
كما يمكن أن نستنتج بأن الانتقال إلى الحالة المدنية لا يعني أن الإنسان سيفقد كل الحقوق الطبيعية التي كانت ترتبط به , وإنما يعني أن الحياة المدنية ستتولى ضمان الحقوق المتبقية له , والتي سيعبر عنها بالحقوق المدنية وهي ما يمكن أن نعتبرها كل الحقوق التي ترجع للإنسان بحكم إنسانيته وبحكم طبيعته ككائن عاقل مريد وحر ..له علاقات مع إرادات أخرى حرة .وهذا التصور هو الذي اعتمد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تضم كل الحقوق التي تناولها هؤلاء الفلاسفة منذ أول حق يدعو إليه روسو وهو أن الإنسان يولد حرا ولا يستعبد إلى آخر الحقوق التي نادى بها في خاتمة كتابه أي حرية الاعتقاد والتفكير *** ومن ثم كان أساس كل حق مدني هو حق طبيعي محايث لذات الإنسان , والأول ليس ضد الثاني وإنما هو استجابة وتنظيم له , إنه تنظيم للطبيعة الإنسانية .
وهكذا اكتسب الإنسان مع نظرية العقد الاجتماعي مع كل من هوبز,كممهد ولوك وروسو كمؤسسين, حقوقا مدنية لم يكن للإنسان أن يتمتع بها لولا هؤلاء وأبرز ما يمكن أن نستنتجه هو أن الإنسان حضي بمكتسبات ثلاث هي :
- إعطاء قيمة للفرد المواطن : وهي قيمة عليا مطلقة , وأصبحت حقوق الإنسان تؤخذ من منظور تعاقدي, فيه تسير كل الأطراف بخط متواز وليس من أعلى أي لم تعد الحقوق تفرض من قانون طبيعي أو قانون إلهي وإنما من قانون بشري فيه إرادة الفرد تعلو على أي اعتبار , كما أن هذه الحقوق تمنح للأفراد أينما كانوا فهي حقوق كونية . - - إعطاء قيمة للمجتمع المدني : حيث أصبح للأفراد والجماعات القدر على الالتزام بالمقتضيات الأخلاقية والقانوني الضرورية لهم وإن تعارضت مع الدولة أو المؤسسة الدينية...
- إعطاء قيمة للدولة ذات السيادة: وهي سيادة لا يتم بلوغها إلا إذا اعترف بها المجتمع, واعتبر السلطة الناتجة عنها حقوق مشروعة ومقبولة.
تعليقات
إرسال تعليق