كتاب مباهج الفلسفة
المحور 1: الموضوعية في العلوم الإنسانية
النص1 :مشكلة الفهم الموضوعي في العلوم الإنسانية
لوسيان غولدمان
إن العلوم الإنسانية في سعيها الدؤوب للتحرر من الإرث الفلسفي التأملي،ظلت عاجزة ،مع دلك ،عن استيفاء شروط الموضوعية،لآن الباحث في تصديه للظاهرة الإنسانية لايستطع أن ”يضع ذاته بين قوسين“ويجد عسرا في التخلص من أحكامه القبلية و مواقفه المضمرة ونوازعه اللاواعية.
”إن الاختلاف بين شروط عمل الفيزيائيين و الكيميائيين و الفسيولوجيين و شروط عمل السيسيولوجيين أو المؤرخين ليس اختلافا في الدرجة ،بل في طبيعة كل واحد من العلمين ،فالبحث الفيزيائي أو الكيميائي يجد منطلقه في اتفاق فعلي أو ضمني ،بين سائر الطبقات التي تكون المجتمع المعاصر ،حول قيمته وطبيعته ومقصده .إن المعرفة العلمية الأكثر مطابقة للواقع الفيزيائي والكيميائي و الأكثر فعالية ونجاعة هي مثال لم يعد يصطدم بمصالح و لا بقيم أي طبقة من الطبقات الاجتماعية .وفي هدا الإطار ،لايمكن أن نعزو النقص في الموضوعية في عمل العالم إلى نقائصه الشخصية فقط (من قبيل غياب روح النسقية ،وانعدام الرؤية النافدة،والغرور والطبع الانفعالي،وفي أقصى الأحوال غياب النزاهة الفكرية).أما وضعية العلوم الإنسانية ،فهي ،بخلاف دلك .......فبدلا من الإجماع الضمني أو الصريح ،بين أحكام القيمة حول البحث العلمي وحول المعرفة المطابقة والضافية ،التي تستوي في البداية ،قبل الشروع في البحث ،وغالبا ما تظل ثاوية و لاواعية .والنزاهة الفكرية ،أو سواها من مناقب العالم أو معايبه....وعليه فلا يكفي ،في العلوم الإنسانية ،أن نطبق المنهج الديكارتي ،كما يظن دوركهايم ،أو أن نضع الحقائق المكتسبة موضع شك أو ننفتح انفتاحا كليا على الوقائع كما هي،لأن الباحث يتصدى في الغالب ،للوقائع مزودا بمفاهيم قبلية و مقولات مضمرة ولا واعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي)
ترجمة فريق التأليف Lucien goldman.sciences humaines et philosophie.éd/gonthier.méditations.1966.pp23-24
النص2: الموضوعية في العلوم الإنسانية
رينيه بوفريس
§ في هدا النص تؤكد بوفريس أن العلم الإنسانية بالرغم من نشأتها ،في القرن 19م،في سياق ابيستمولوجي مخصوص يطبعه الطموح في تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان،فإنها لم تستطع مع دلك أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الإنسانية المبحوثة ذاتها.
§ ”إن موضوع العلاقات بين الفلسفة و العلوم الإنسانية هو بداية موضوع التنافس بينهما:فالروح العلمية المولعة بالموضوعية قد أبعدت الفلسفة على التوالي عن مجال دراسة المادة و عن دراسة الحياة،فهل ستطردها من آخر حصونها ،من نظرية الإنسان؟ادا كنا نعتقد مع الفلسفة الوضعية أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ تراجعاتها ،وأن العصر العلمي هو الذي يعقب عصر الماورائيات، فان الجواب بالتأكيد أمر لا شك فيه:فالإنسان ،الذي اعتبر طويلا سابقا على كل معرفة،وعصيا ،بالتالي،على أية مقاربة موضوعية،سيكون قادرا على أن يصير بدوره بمثابة موضوع،والخطاب الذي سيوضع بصدده لن يكون أبدا ذاتيا،بل سيقوم انطلاقا من وقائع ملموسة،بعيدا عن مجانية الفرضيات غير المحققة و التعميمات الاعتباطية.وبهدا المعنى ،فان العلوم الإنسانية،وقد نشأت في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20،تبدو كأنها آخر فتوحات الروح العلمية...ومع دلك فان القضية التي تظل مطروحة هي معرفة ما ادا كانت هده العلوم قابلة للمماثلة في استقلالها وموضوعيتها بالعلوم الأخرى...
§ إن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائما،وبعيدا عن أن تكون محايدة،مشبعة بالذاتية.والنظرة إلى الذات،التي تشكل علم النفس هي ظاهرة نفسانية،وكذلك فان علم الاجتماع هو ظاهرة سوسيولوجية خاصة بالعلم الحديث.وربما يكون بالتالي،من المستحيل مبدئيا أن تتمكن العلوم الإنسانية بلوغ موضوعية،مطلقة،أو على الأقل التخلي عن جزء من أهدافها و الاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الإنسانية“
رينيه بوفريس،علم الإنسان و الفلسفة،ترجمة محمد علي مقلد،العرب و الفكر العالمي،العدد6،بيروت،ربيع1989،صص36-46
المحور 2: الفهم والتفسير
l النص 3: محدودية منهج الفهم
جيل غاستون غرانجي
تشكل النظريات العلمية في ميدان العلوم الإنسانية،حسب غرانجي،في صورة أبنية عقلية،يتراوح نشاط العقل فيها بين نموذجين معرفيين:التفسير باعتباره كشفا موضوعيا للعلاقات السببية القائمة بين الحوادث الإنسانية و الفهم بوصفه نشاطا عقليا تأويليا يستخلص الدلالات و القيم.
”يتراوح موقف العقل في الظواهر الإنسانية بين قطبين معرفيين اثنين يمكن أن نشير إليهما بلفظتي الفهم و التفسير.فالتفسير هو كشف العلاقات الثابتة التي توجد بين عدد من الحوادث و الوقائع،واستنتاج أن الظواهر المدروسة تنشأ عنها.انه منهج العالم الفيزيائي الذي يختزل مجموعة معقدة من الظواهر إلى منظومة بسيطة من العلاقات تشكل ترسيمة أو خطاطة صورية للظواهر موضوع الدراسة.ولا يتساءل العالم عن علة مثل تلط العلاقات الأولية...لأن كل تفسير،سوى دلك،سيتجاوز نطاق العلم،ليلتحق،بوجه من الوجوه،بالأسطورة و بالسحر.بيد أن الأمر،على خلاف دلك،في حالة الأفعال و الحوادث الإنسانية .فهاهنا لا نفسر الأفعال،بل نسعى إلى فهمها،بمعنى نرمي إلى أن ننقل بصورة حدسية،إحساسا أو تقديرا أو انفعالا ما...فديدن علماء النفس و علماء الاجتماع هو النزوع إلى اختزال صياغتهم الصورية للوقائع وردها إلى أوليات مستمدة من طبيعة الوقع المعيش،وتقديم تأويل يرمي إلى فهم الفعل الإنساني.ومهما بدا موقف الفهم كان موقفا مشروعا و لا محيد عنه،فانه،مع دلك،يضع عائقا جسيما أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية...ودلك أن المعرفة التي تتأسس على الفهم فقط هي معرفة مسرفة في مقتضياتها ومطالبها ومقصرة فيها بآن واحد...كما يبدو،أيضا،أن الرغبة في فهم جميع الظواهر،تجنح بالمعرفة في متاهات الأسطورة و السحر.فالذهنية البدائية هي بالضبط الذهنية التي ترمي إلى فهم كل شئ،أي ربط جميع الظواهر فيزيائية كانت أو ذهنية بصيرورات الوعي.“
Gilles gaston ganger.la raison/puf.1993/pp.81-83
النص4: أهمية الفهم في العلم و البداهة
جول مونرو
l ”يعتبر كتاب(الوقائع الاجتماعية ليست أشياء) الذي نشر في أواسط الأربعينيات من القرن العشرين لجول مونرو بيانا نقديا ضد النزعة الوضعية.وفي هدا النص يمنح جول مونرو للفهم قيمة أساسية تتمثل في استخلاص المعاني و الدلالات من التجارب الوجودية المباشرة.
l ”إننا نفهم بعض الحوادث بالبداهة.فنحن،مثلا،ندرك بشكل بديهي أن الشخص،كما يقول كارل ياسبرز، الذي تم الاعتداء عليه يمتلكه الغضب،وإذا لمحنا شخصا يرفض أمرا،تبينا رفضه من إيماءته(...)فالخاصية المميزة لظاهرة الفهم هي البداهة و الوضوح.وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح بحيث يكون كافيا و مكتفيا بذاته.فمن المستحيل سيكولوجيا الشك في البداهة،بل يتعين التسليم بها.فالبداهة تأخذ شكل معرفة مباشرة حالما عرضت لنا بوصفها بداهة.وكل محاولة نقوم بها لتأسيس البداهة على أساس الاستقراء هي محاولة ستفضي إلى تقويضها.’فما نقوم بإنشائه عن طريق الاستقراء،كما يقول ياسبرز،ليس هو العلاقات بين الحوادث بل هو تردد تلك العلاقات و تواترها’فنحن نتفهم الغضب،وندرك العلاقة بين الغضب و تسديد الضربات.لأن هده العلاقة بديهية.ففعل الفهم فعل معرفي مباشر،وعلينا أن نقول عن الفهم ما يقوله باسكال عن(روح الدقة)فهو رؤية نافذة،وإدراك مباشر.إن الفهم هو إدراك لدلالة معيشة تعطانا كتجربة بديهية(...)و الفهم بالمعنى الذي نشير إليه في هدا المقام،هو دوما فهم لوضعية وجودية وجدانية،فنحن نستطيع تفهم وضعية ما أو فهم تطورها وبخلاف العلاقات القابلة للفهم فان العلاقات التفسيرية هي علاقات(...)تقوم على الاعتقاد بصحة جملة من الطرائق و الإجراءات الموضوعية.فالفهم هو بداهة مباشرة في حين أن التفسير هو تبرير أو تعليل حدوث ظاهرة ما بافتراض ظاهرة أخرى.“
l ترجمة فريق التأليفJules monnort.les faits sociaux ne sont pas des choses.gallimard.pp38-42
المحور3: مسألة نموذجية العلوم الإنسانية
النص5: أي نموذج للعلمية في العلوم الإنسانية؟
جان لادريير
في هدا النص يتساءل لادريير عن النموذج العلمي المناسب لمعالجة الظواهر و الحوادث الإنسانية:“هل هو منهج الديكارتي“الذي يدعو اليه ايميل دوركهايم و هو منهج يقارب الظاهرة المبحوثة كشئ ويضع (ذات الباحث بين قوسين)أم(المنهج التفهمي)الذي يمثله ماكس فيبر ويعني بالنوايا و الدلالات و المقاصد؟لكنه يخلص إلى أهمية ”تدشين صورة مغايرة العلمية“في العلوم الإنسانية.
”هل بوسعنا أن نعتمد،في مجال دراسة الظواهر الاجتماعية،على المناهج التي كشفت عن حجيتها في ميدان علوم الطبيعة؟...وهل بالإمكان دراسة العناصر المكونة للفعل الإنساني بنفس الكيفية التي ندرس بها خصائص موضوع من الموضوعات الفيزيائية؟ألا نجد أنفسنا،بخلاف دلك،إزاء منظومة واقعية تتأبى وتستعصي،بشكل جذري،على كل مسعى لموضعية الظواهر الإنسانية،وذلك لأسباب مبدئية؟يبدو ترتيبا على هدا،أننا أمام امكانيتين اثنتين:الأولى تقتضي إيجاد وسيلة وضع الفاعلين بين قوسين،وذلك من خلال العمل على إبراز الأنساق التي دراستها عن طريق اعتماد المناهج التي برهنت عن جدارتها في دراسة الأنساق المادية...
والإمكانية الثانية،تكمن في التخلي،بشكل كلي،عن المصادر التي يمكن أن تقترح من طرف علوم الطبيعة،وذلك عبر إنشاء أداة تحليل أصيلة تتلاءم وطبيعة الموضوع المدروس(الظواهر الإنسانية و الاجتماعية)أي تتلاءم و الإطار العام للفعل الإنساني...إلا أن كل طريق من هذين الطريقين تعترضه صعوبات.فادا قررنا تناول الوقائع الاجتماعية بوصفها أشياء(أو أنساقا مادية)...فإننا سنطرح ،بذلك،من مجال المعرفة كل ما يتصل بنظام الدلالات و نسق المقاصد و الغايات و القيم...
ومن جهة ثانية،ادا اخترنا طريق الفهم،ألا تتقيد بمنظور ذاتي بشكل لا فكاك منه؟...
إن حقل الظواهر الإنسانية و الاجتماعية يمكن أن يمنحنا صورة للعلمية مغايرة للعلمية في مجال الظواهر الفيزيائية،إلا أن هذا لا يعني انتظار ظهور نمط لعلوم الإنسان مغايرة كلية للشكل المميز للعلوم الطبيعية“.
ترجمة فريق التأليف Jean ladrirére.la dynamique de la recherche en sciences sociales.puf1994 pp5-11
النص 6: نموذجان للمعرفة في العلوم إنسانية
ادغار موران
§ يمثل موران صورة البحث في ميدان العلوم الإنسانية بنمطين من أنماط الخطاب السوسيولوجي المعاصر خطاب سوسيولوجي تلفع خلف النموذج العلمي طامحا إلى التحرير من التأمل الميتافيزيقي،بوضع الذات بين قوسين و بعدم ليلاء عناية لمسؤولية الفاعلين،ونمط سوسيولوجي إنشائي يمنح للذات العارفة دورا خلاقا وفاعلا في إعادة بناء الظاهرة الاجتماعية وفهمها.
§ ”هناك نمطان من السوسيولوجيا أخرى يمكن نعتها بالإنشائية.وتعتبر الأولى بمثابة المؤخرة التي لم تتحلل،بشكل مناسب،من إسار الفلسفة، ومن المقالة الأدبية و التأمل الأخلاقي.يستعير النمط الأول من السوسيولوجيا نموذجا علميا كان بالضرورة هو نموذج الفيزياء في القرن 19م،ولهدا النموذج ملمحان فهو آلي و حتمي بآن واحد،اد يتعلق الأمر،في الواقع،بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر،تبعا لعلاقات سببية،خطية ومنتظمة،في موضوع تم عزله.وفي مثل هدا النموذج يتم استبعاد كل ما يحيط بالموضوع المدروس من موضوعات أخرى.يضاف إلى ذلك أن هدا الموضوع المدروس السوسيولوجي كل إمكانية لتصور ذوات أقوى فاعلية أو مسؤولية الذوات وحريتها.أما في السوسيولوجيا الإنشائية،فان ذات الباحث تحضر،بالمقابل،في موضوع البحث،فهو ينطق،أحيانا،بضمير المتكلم،ولا يواري ذاته...لقد كان مفهوم الذات غير مستساغ من طرف المعرفة العلمية،لأنه كان مفهوما ميتافيزيقا ومتعاليا...في حين أن تقدم المعرفة البيولوجية الحديثة،يسمح،اليوم بمنح مفهوم الذات أساسا بيولوجيا.فمادا يعني أن يكون الإنسان ذاتا،اليوم،انه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه...فالذات هي بالجملة،الموجود الذي يحيل إلى ذاته و إلى الخارج و الذي يتموضع في مركز عالمه.“
ترجمة فريق التأليف Edgar morin.sociologie/fayard.1984 pp11-18
المسألة العلمية في العلوم الإنسانية
كتاب منار الفلسفة
المحور الأول: مشكلة موضعة الظاهرة الإنسانية
النص1:
تخاطب العلوم الإنسانية باعتبارها كائنا يحيا،ويتكلم،وينتج،فمن حيث هو كائن حي،يعتقد أن له وظائف وحاجيات،ومن ثم ينفتح أمامه مجال يرتبط من خلاله بمجموعة من الإحداثيات المتحركة.وبصفة عامة فان وجوده الجسماني يجعله يتقاطع-من هدا الجانب أو ذلك بتنظيم شبكة من العلاقات التي يتوزع من خلالها كل ما يمكن أن يستهلكه،إذ يجد نفسه في نقطة يتقاطع فيها مع الآخرين.وأخيرا،يتمكن من بناء عالم رمزي من خلال اللغة،يرتبط فيه بماضيه وبالأشياء وبالغير.وانطلاقا من هدا العالم أيضا،يتمكن من بناء شئ ما يجوز أن نطلق عليه اسم ”معرفة“(هده المعرفة التي يكونها عن ذاته هي ما تحاول العلوم الإنسانية تشكيل بعض أوجهها).
يمكننا ادن تحديد موقع العلوم الإنسانية في نقطة التجاور،وفي الحدود المباشرة وعلى طول هده العلوم التي تهتم بمسألة الحياة أو الشغل أو اللغة،ومع ذلك فلا ينبغي أخذ علم الأحياء و علم الاقتصاد و الفيلولوجيا كعلوم أولى أو كعلوم أساسية.
M.foucault.les mots et les choses.gallimard.1966 pp362-363
النص2:
• يصادر كل بحث علمي على ثنائية الملاحظ و الموضوع الملاحظ،ففي ميدان العلوم الإنسانية يلعب الإنسان دور الملاحظ،بينما يعتبر العالم بمثابة الموضوع.إن المجال الذي يتم فيه التحقق من هده الثنائية ليس لا محدودا بدون شك،كما اكتشفت ذلك الفيزياء و البيولوجيا المعاصرتان،بل هو ممتد جدا إلى حد يجعل العلوم الدقيقة و الطبيعية تقتحم هدا المجال و تكتسحه بكل حرية.
• إذا كانت العلوم الاجتماعية و الإنسانية علوما بالفعل،فينبغي عليها أن تحافظ على هده الثنائية،و أن تعمل على نقلها إلى داخل الإنسان،وبذلك تترسخ القطيعة التي تفصل بين الإنسان الملاحظ و الإنسان الملاحظ أو الناس الملاحظين.ولكن ينبغي لهده العلوم ألا تتجاوز احترام مبدأ لثنائية،لأنها إن هي أرادت أن تتخذ من العلوم الحقة و الطبيعة نموذجا لها،فلا ينبغي أن تتخذ الناس الذين تلاحظهم موضوعا لتجربتها و حسب،بل ينبغي أيضا أن لا يشعر هؤلاء الناس بأنهم موضوعات للتجربة،وإلا غير حضور وعيهم مسار التجربة بطريقة غير مرئية.وهكذا يبدو أن الوعي هو بمثابة العدو الخفي لعلوم الإنسان،انه وعي عفوي يتخذ مظهرين:أحدهما يرتبط بموضوع الملاحظة وثانيهما يرتبط بالفكر،أي بالوعي المفكر-أو وعي الوعي-لدى العالم.
• Levi-strauss.anthropologie structurale.éd plon1973 p343
النص3:
n عندما يعلن الفلاسفة موت الإنسان،فهم لا يقصدون بذلك قرب حدوث طوفان،أو مذبحة جماعية،أو قضاء نهائيا على الكائنات البشرية،إن الأمر يتعلق بمفهوم الإنسان:هل سنشهد غيابا تاما لهدا المفهوم؟
n يبدو أن علوم الإنسان تستبعد حدوث أمر كهذا،ولدلك تبلور مفاهيم جديدة مثل اللغة و اللاوعي و التاريخ.وهي مفاهيم تستهدف تعريف الإنسان،أو بالأحرى تريد أن تعرفه بما ليس هو،مثل مجموع اللحظات أو العلاقات التي يتم اتخاذها كبديل عنه.كنا نتحدث في الماضي عن الحتمية،أما اليوم فنحن نتحدث عن اللاتمركز:لقد فقد الإنسان إحداثياته بالنسبة للعلم،فهو لم يعد-كما يردد غالبا-مجرد حيز يعتبر بمثابة مسرح الأحداث من قبيل فعل الكلام و فعل الاقتراع وفعل الحب و فعل التاريخ،ولكن مع ذلك يظل الإنسان عينه،أي الفرد...أي ذاك الذي يشبهني ويختلف عني أيضا.وهدا الاختلاف لايمكن أن نعزوه إلى اختلاف متعلق بالنوع:انه شبيهي من حيث هو متفرد بهذا الشبه...وعلى أساس هدا الاعتراف بالإنسان المفكر فيه بشكل قبلي من طرف الإنسان،و الاعتراف بالفرد المفكر فيه من طرف الفرد،أصبح بالإمكان قيام فلسفة خاصة بالإنسان لا تعتبر مجرد رجع صدى لعلوم الإنسان.
n M.dufrenne.philosophie de lhomme et philosophie de la nature.in les études philosophie.juillet-septembre 1970 pp309-319/
المحور الثاني: التفسير و الفهم في العلوم الإنسانية
n النص 1:
n يعارض المذهب التاريخاني المذهب الطبيعي في ميدان علم الاجتماع معارضة شديدة فيزعم أن بعض المناهج التي تتميز بها العلوم الطبيعية لا يمكن تطبيقها على العلوم الاجتماعية،لما يوجد من فوارق عميقة بين علم الاجتماع و علم الطبيعة.ويقول هذا المذهب إن(قوانين الطبيعة)قوانين صادقة في كل مكان وزمان،وذلك لأن عالم الطبيعة تسيطر عليه مجموعة من القوانين الطبيعة التي لا تختلف باختلاف المكان أو الزمان،أما قوانين الحياة الاجتماعية فتختلف باختلاف الأماكن والأزمنة.ورغم تسليم المذهب التاريخاني بأن كثيرا من الظروف الاجتماعية النموذجية تعود إلى الظهور على نحو منتظم،فهو ينكر أن يكون لانتظام وقوع الحوادث في الحياة الاجتماعية ما لنظيره في العالم الطبيعي من طابع ثابت،وذلك لأن الحوادث الاجتماعية المنتظمة تعتمد في وقوعها على التاريخ،أي على موقف تاريخي معين.ومن ثم لا ينبغي للمرء أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية،مثلا،من غير تقييد،وإنما يجوز له فقط أن يتكلم عن القوانين الاقتصادية في عهد الإقطاع،أو القوانين الاقتصادية في مطلع العهد الصناعي،يجب أن يذكر المرء دائما الفترة التاريخية التي سادتها القوانين التي يتحدث عنها.يقرر المذهب التاريخاني أن اتصاف القوانين الاجتماعية بالنسبية التاريخية هو الذي يمنع من تطبيق المناهج الفيزيقية في علم الاجتماع.و الحجج الرئيسية التي يبني عليها المذهب التاريخاني هذا الرأي تتعلق بالتعميم،والتجربة،وتعتقد الظواهر الاجتماعية،وصعوبة التنبؤات الدقيقة،وأهمية القول بالماهيات من وجهة النظر المنهجية.
n كارل بوبر.بؤس الايديولوجيا.نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي،ترجمة عبد الحميد صبرة.دار الساقي.بيروت.لبنان.ط .1.1992.ص.17-18
النص2:
يشكل النزاع المنهجي الذي قسم الجامعيين الألمان في أواخر القرن 19 خلفية التأمل الابستمولوجي لماكس فيبر...موضوع خلاف يتعلق بوضع العلوم الانسانية:هل ينبغي إخضاعها لعلوم الطبيعة،كما يريد أنصار الوضعية،أم بالعكس تأكيد استقلاليتها؟بالطبع،سرعان ما تحول هدا الجدال إلى مناقشة حول تصنيف العلوم،وفي هدا الخصوص انتهى أنصار استقلالية العلوم الإنسانية بدورهم إلى التعارض.فقد اعتبر البعض،منهم ديلثي Dilthey،أن مبرر هذا التصنيف هو اختلاف الموضوع،على أساس التمييز بين عالم الطبيعة وعالم الفكر أو التاريخ.فالواقع يقسم إلى قطاعات مستقلة يوجه كل منها فئة خاصة من العلوم،في حين أن البعض الآخر،ومنهم ويندلبند Windebland وريكرت Rickert ،يرفض تجزئة الواقع الذي يبقى واحدا وهو ذاته دوما،ويقترح هؤلاء أساسا منطقيا لدراسة الواقع حيث يسعى العالم إما إلى معرفة العلاقات العامة أو القوانين،وإما إلى معرفة الظاهرة بخصوصيتها،وهكذا يكون هناك منهجان رئيسيان،واحد يمكن تسميته بالعام والآخر بالخاص...مهما يكن التمييز بين العام و الخاص،فمن الخطأ القول إن علوم الطبيعة تستخدم علميا المنهج الطبيعي أو المنهج العام فقط وأن علوم الثقافة تستخدم المنهج التاريخي أو الخاص فقط.لايتمتع أي من هذين المنهجين بامتياز أو تفوق بالنسبة إلى الآخر.وينكر فيبرWeber ،الملتزم بروح الابستيمولوجيا الكانطية،أن يكون بوسع المعرفة أن تكون صورة للواقع أو نسخة كاملة عنه،سواء بمعنى المدلول أو بمعنى المفهوم.فالواقع لأمتناه ولا يفنى.وبناء عليه،فالمشكلة الأساسية لنظرية المعرفة هي مشكلة العلاقات بين القانون و التاريخ،بين المفهوم و الواقع.وأيا يكن المنهج المعتمد،فان كل واحد يقوم بعملية انتقاء من التنوع اللامحدود للواقع التجريبي.
ج.فروند.سوسيولوجيا ماكس فيبر.ترجمة جورج أبي صالح.مركز الإنماء القومي بيروت ط1/بدون تاريخ.ص.21-22
النص3:
• لكي تثبت الأنتروبولوجيا قيمتها(كعلم)كان عليها أن تتوجه نحو موضوع يشكل بؤرة للعلوم الانسانية،وهو الثقافة...
• وقد كانت أول العلوم الإنسانية التي أقامت مختبرها بالقرب من مستودع أدواتها النظرية،حيث يدرس الأنتروبولوجي ظواهر الثقافة (...)ضمن شروط بيئية وسيكولوجية مختلفة.لذا عليه أن يكون في آن واحد ملاحظا محنكا ومنظرا كبيرا للثقافة.فأن نلاحظ معناه أننا نختار و نصنف ونعزل تبعا لنظرية معينة...
• إن السبيل العلمي لدراسة الإنسان هو،على وجه التحديد،ما تنتظره علوم الإنسان من الانتروبولوجيا اليوم و غدا.أي في حاجة إلى نظرية للثقافة تحدد سيرورتها ومنتوجاتها وحتميتها الخاصة ... وصلاتها بالمعطيات الأولية للسيكولوجية و الفيزيولوجيا.ورغم أن الأنتروبولوجي لا يحتكر ذلك إلا أنه سيكون ندا للمؤرخين و علماء الاجتماع و النفس...
• إن القيام،في حقل جديد للبحث مثل حقل الثقافة،باستعارة مناهج أمتن(من علوم)لها تاريخ عريق يشكل خطورة(على العلوم الإنسانية).فاستخدام المقارنات العضوية و الاستعارات الميكانيكية،و الاعتقاد بأن الترقيم و القياس كافيان للفصل بين العلم و الخطب(اعتقاد خاطئ).فهده الخيوط التي تشد العلوم الإنسانية غالى العلوم الحقة أضرتها أكثر مما نفعتها.
• Malinowski.une théorie scientifique de la culture.éd.point.1968.pp13-14
المسألة العلمية في العلوم الإنسانية
كتاب: في رحاب الفلسفة
المحور الأول:موضعة الظاهرة الإنسانية
n النص 1: عوائق موضعة الظاهرة الإنسانية.
n إذا كانت الفيزياء التجريبية قد تأخرت قرونا،مقارنة بالرياضيات،فليس للعلوم الإنسانية أن تندهش من بطء تكونها،بل يمكنها أن تعتبر،بنوع من الثقة،وضعيتها الحالية بداية متواضعة بالعمل الواجب اٍِنجازه والآمال المشروعة المعقودة عليها(...)
n غير أن وضعية العلوم الإنسانية هي أكثر تعقيدا لأن الذات المُلاحِظَةَ لذاتها و لغيرها و المجربة على نفسها و على غيرها،يمكنها أن تتغير بحكم ما لا حظته و جربته من جهة،كما يمكنها أن تؤثر في سير هده الظواهر و تغير طبيعتها.لهذا تخلق وضعية التدخل بين الذات والموضوع ف العلوم الإنسانية صعوبات اضافية مقارنة بالعلوم الطبيعية حيث أصبح من المعتاد الفصل بين الذات و الموضوع.وبعبارة أخرى،إن عملية إزاحة تمركز الذات1 حول ذاتها،و التي هي عملية ضرورية لتحقيق الموضوعية،تكون بالفعل أكثر صعوبة في الحالة التي يكون فيها الموضوع هو الذات.وذلك لسببيس بنويين إلى حد ما:أولهما،أن الحد الفاصل بين الذات المتمركزة حول ذاتها و الذات العارفة يكون أقل وضوحا عندما تكون أنا المُلاحظ جزءا من الظاهرة التي يجب عليه أن يدرسها من الخارج،ثانيهما،يكمن في أن الملاحظ يكون أكثر ميلا للاعتقاد في معرفته الحدسية بالواقع لانخراطه في هده الأخيرة ولإضفائه قيما محددة عليها،مما يجعله أقل إحساسا بضرورة التقنيات الموضوعية.
n وباختصار،فان الوضعية الإبستيمولوجية المركزية في علوم الإنسان تكمن في كون الإنسان ذاتا و موضوعا،بل وذاتا واعية ومتكلمة وقادرة على أنواع من الترميز2،مما يجعل الموضوعية وشروطها الأولية المتمثلة أساسا في إزاحة تمركز الذات من حول ذاتها،تعترضها صعوبات(...)فالعَالم لايكون أبدا عَالما معزولا،بل هو ماتزم بشكل ما بموقف فلسفي أو اديولوجي.
n أما اذا كان هدا الواقع (واقع التزام الباحث) أقل تأثيرا في الأبحاث الرياضية و الفيزيائية و حتى البيولوجية(...)فان تأثيره يبقى كبيرا في دراسة الظواهر الإنسانية من طرف العلوم الإنسانية.
n جون بياجيه.ابستمولوجية علم الإنسان.غالينار.1970/ص48-45
النص 2: مفارقة علاقة الذات بالموضوع
• تتمثل المفارقة،غير القابلة للاختزال،لدى الباحث الاجتماعي في كونه لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته،في حين يعتبر هذا الانفصال مبدأ كل جهد علمي.إن كل باحث هو عضو ينتمي لجماعة،كبيرة أو صغيرة،(سواء كانت طبقة اجتماعية،أو مهنة،أو أمة)،وبالتالي يكون منخرطا بالضرورة في صراعات صريحة أو ضمنية من أجل الاعتراف و الحظوة و السلطة.وهي صراعات تحرك المعتقدات و المثل و أوجه الخير و الشر،الخ...
• ولايمكن للباحث الانعزال أو الابتعاد عن العالم الاجتماعي،حتى لو رغب في ذلك،فكما سجل ”نوربرت الياس“1 في كتاب خصصه لهذه القضية: {لا نحتاج،لكي يكون من الضروري لنا النفاذ الى داخل التجربة الجماعية و الفردية التي تكون للأفراد بجماعتهم و بالجماعات المغايرة،لفهم نمط اشتغال الجماعات البشرية،وهو ما لا نستطيع معرفته من دون مشاركة و انخراط فعالان ف هذه التجارب}.
• إن كل مجهودات مؤسسي العلوم الاجتماعية قامت على مبدأ تباعد الباحث عن جماعته و التحكم في انخراطه فيها.ومن هنا،نفهم دعوة ”دوركهايم“ الى اعتبار ”الوقائع الاجتماعية أشياء“،وكذا توصية ”ماكس فيبر“باحترام ”مبدأ الحياد القيمي“2 من خلال التمييز بين أحكام الواقع(ذات الصلاحية الكونية)3 وأحكام القيمة (ذات الصلاحية النسبية حسب الباحث).
• فرنسوا بستيان.التفلسف.فايار.2000.ص 255-254
المحور الثاني: التفسير والفهم.
النص1: الظاهرة الإنسانية بين التفسير و الفهم
l لا نجد في حالة العلوم الدقيقة و الطبيعية علاقة ترابط ميكانيكي بين التفسير و التنبؤ،و مع ذلك لا يمكننا أن نشك في أن تقدم هده العلوم كان بفضل ما ربحته من هاتين العمليتين،أي التفسير و التنبؤ.فهذه العلوم يمكنها أن تفسر ظواهر لم تتنبأ بها،كما فعلت الداروينية، كما يمكنها أتتنبأ بظواهر لا تكون قادرة على تفسيرها،كما يحدث في علم الأرصاد الجوية.غير أن التفسير و التنبؤ يكونان دائما موضوعي تجريب و تصحيح(...)
l أما العلوم الإنسانية،فيظهر أنها محكوم عليها بأن تسير في طريق سيء لايسمح للسائر فيه أن يحسب في أية لحظة من لحظات سيره المسار الذي قطعه،انطلاقا من معلم ثابت،وبالتالي ى يمكنه استخلاص ما يتوجب استخلاصه.لقد اكتفت العلوم الإنسانية،حتى حدود اليوم،بتفسيرات فضفاضة و تقريبية تنقصها الدقة دائما.ورغم أن العلوم الإنسانية مهيأة،بحكم مآلها،لأن تمارس التنبؤ و تطوره،وهو ما يطالبها به بعض المستعجلين،فان يمكن القول بدون مبالغة:إن الخطأ كان دائما حليف تنبؤاتها(...)والحقيقة أن العلوم الإنسانية تجد نفسها في وسط الطريق بين التفسير و التنبؤ،كما لو كانت عاجزة عن السير في اتجاه التفسير أو في اتجاه التنبؤ.و لا يعني هذا أن العلوم الإنسانية لا تنفع نظريا و لا عمليا،بل يعني أن نفعها يقاس بدرجة موازنتها بين الاتجاهين بحيث لا تقبل أيا منهما بشكل حصري،بل تأخذ من كل اتجاه ما يجعل موقفها موقفا أصيلا يجسد مهمتها.
l إن العلوم الإنسانية لا تفسر الظواهر تفسيرا نهائيا،و لا تتنبأ بيقين تام،غير أنه بتفسيرها المحدود للظواهر وبتنبئها غير الأكيد،يمكنها أن تقدم للذين يمارسون ،انطلاقا من نتائجها،شيئا وسيطا بين المعرفة الخالصة و المعرفة النافعة،أي نوعا من الحكمة التي تسمح بتحسين الأداء،لكن من غير الفصل النهائي بين التفسير و الفهم.
l كلود ليفي ستراوس.الأنتربولوجيا البنيوية2 . بوكيت 1996. ص 346-345
النص 4: الإنسان يفهم
• اعتاد ممثلو علم النفس التفسيري 1 على إعطاء المثل بالعلوم الفيزيائية للدفاع عن مشروعية استخدام الفرضيات.ولكننا،سنقر،اللحظة،بأن العلوم الروحية 2 الحق في أن تبني منهجها بنفسها،انطلاقا من موضوعها.وفي هدا الإطار،ينبغي لها أن تنطلق من المفاهيم الأكثر عمومية في الميتودولوجيا،وأن تحاول تكييفها مع موضوعاتها الخاصة بها حتى تكون في مجالها الخاص،مناهج ومبادئ دقيقة كما هو الحال في العلوم الطبيعية.فنحن لانكون أتباعا حقيقيين للعلماء عندما ننقل الناهج التي طورها في مجالات اختصاصهم،بل نكون كذلك حين نكيف بحثنا مع طبيعة الموضوع ونتصرف تجاهها كما تصرفوا هم تجاه موضوعاتهم.
• تتميز العلوم الروحية عن العلوم الطبيعية بكون موضوع هده الأخيرة عبارة عن ظواهر تتقدم للوعي باعتبارها معزولة وخارجية،في حين تتمظهر هذه الظواهر للعلوم باعتبارها مجموعا حيا.وينتج عما سبق أنه لا توجد في كل مكان ظواهر طبيعية متجانسة بالنسبة للعلوم الفيزيائية و الطبيعية إلا بفضل الاستدلالات التي تتمم معطيات التجربة بواسطة توليف الفرضيات.أما في العلوم الروحية،فيقع العكس حيث يشكل مجموع الحياة النفسية في كل مكان:معطى أوليا وأساسيا.لهذا نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية.فعمليات الاكتساب و مختلف الوظائف(العقلية و النفسية)وعناصرها تجتمع و تكون كلا يعطى لنا عن طريق التجربة الداخلية.3 فالكل المعيش هو الأساسي،و لا يتجزأ الى أجزاء إلا بعد ذلك.وينتج عن هذا أن المناهج التي ندرس بها الحياة الروحية و التاريخ و المجتمع تختلف عن المناهج التي تقود الى معرفة الطبيعة.
• فيلهلم دلتاي.عالم الروح.ترجمة ريمي .الجزء الأول.أوبي.1947. ص 150-149
النص5: العلمية المشروطة
n تعتبر العلوم الإنسانية،مقارنة بالعلوم الطبيعية،حديثة النشأة،أما نتائجها فهي قليلة وغير أكيدة لأن الواقع الحي الذي تحاول الإحاطة به (المجتمعات,العقليات،السلوكات)هو أكثر غنى وأقل انتظاما من الظواهر الطبيعية،وبالتالي فان استخدام العقل في هده العلوم مطالب بأن يكون حذرا،كما أن الروح العلمية مطالبة بأن تكون أكثر تطورا من مثيلتها في العلوم الطبعة،حيث تكون التجربة محَكا مُباشرا وحاسما(...)
n ويفترض إدراك الموضوع أن تكون الذات مستعدة لفهم ما يُخالِفُها ويُعْتَبَر آخَرَهَا.هذه الحالة،تتمثل الروح العلمية ف القدرة على استيعاب التناقض و القدرة على مواجهة ما هو غريب ومزعج لكل تلقائية،أي الاعتراض الدائم للموضوعات.ولا يعكس هذا اللقاء الدائم للذات مع الواقع انتقام الذات،كما اعتقد نيتشه،ولكنه يعكس الطبيعة الداخلية للموضوع،مما يتطلب نوعا من تحكم الإنسان في ذاته يحرره من المباشر ويُنَبِهُهُ الى ما هو وسط المعرفة،وبالتالي فالمُلآحِظُ هو طرفٌ وحَكَمٌ في نفس الآن،مما يجعل من تعليق المصلحة أمراً صعبا.غير أن صعوبة الأمر لا تلغي كونه مثالا ينبغي قصده في كل بحث.
n و الواقع أن المؤرخ و عالم الاجتماع و عالم النفس يعرفون أنهم منخرطون فيما يدرسونه،وأن انخراطهم هو ما يسمح لهم،جزئيا،بمقاربة موضوعات أبحاثهم و التفاعل معها،وعندما تركز الإبستومولوجيا المعاصرة على الحضور الضروري للذات في العلوم الإنسانية،فإنها لا تفعل شيئا آخر غير تحديد المطالب المنهجية الإضافية التي ينبغي على العقل استيفاءها لتكون هذه العلوم.ولا توجد،بهذه المناسبة،أية قطيعة مع علوم الطبيعة،ما دامت الفيزياء المعاصرة نفسها تأخذ بعين الاعتبار،عامل تدخل الملاحظ(...)
n فيليب لابروت - طولرا،وجون بيير وارني: الإثنولوجيا و الأنتربولوجيا،المنشورات الجامعية الفرنسية،1993،ص1-3
n Philippe Laburthe-Toha et jean-pierre Waenier.Ethnologie et Anthropologie.
النص6: حدود العلم الموضوعي
§ إن كل ما أعرفه عن العالم،ولو كان مصدره العِلْمُ،أعرفه انطلاقا من وجهة نظر خاصة بي ،أو أعرفه من خلال تجربتي في العالم التي بدونها لن تعني رموز العلم أي شيئ.فعَالم العِلم يبنى بكامله على العَلم المعيش و انطلاقا منهزواذا أردنا أن نفكر في العلم ذاته بصرامة،وأن نحدد قيمته ودلالته،فينبغي لنا أن نحيي،أولا،تجربة العالم المعيش هاته والتي يعتبر العِلمُ التعبير الثاني عنها.فليس لوجود عالم المعيش نفس معنى وجود العِلم لسبب بسيط هو أن العِلْمَ تحديد بعدي لهذا العالم و تفسير له.
§ فأنا لست ”كائنا حيا“،أو ”إنسانا“،“أو ”وعيا“ يتسم بسمات يبرزها علم الحيوان،أو المورفولوجيا الاجتماعية أو علم النفس الاستقرائي،كما أني لست أحد متوجات الطبيعة أو التاريخ،بل أنا هو المصدر المطلق،ووجودي لا يأتي من سوابقي و لا من محيطي المادي أو الاجتماعي،بل إن وجودي يتجه نحو هذه المحددات و يَدْعَمُهَا.فأنا الذي أوجدُ من أجلي أنا،وبالتالي فأنا الوحيد الذي يوجد وجوداً متفرداً.لا يوجد أحد مكاني،ولا أوجد في مكان أحد.فالتقليد الذي أختاره أو أستأنفه،هو تقليدي أنازوالأفق الذي تنمحي المسافة بيني هو أفقي أنا،لأن المسافة ليست خاصيته هو،بل هي خاصيتي أنا،ما دامت لا تظهر إلا عندما أنظر في اتجاهه و أعبر المسافة بنظري.
§ إن وجهة النظر العلمية التي أكون بمقتضاها مجرد لحظة من لحظات العالم هي دائما و جهة خادعة لأنها تفترض وجهة نظر أخرى لا يتم التصريح بها، وجهة نظر يكون العالم حول حسبها موضوعاً ولا يوجد لأجلي.إن الرجوع الى الأشياء ذاتها هو الرجوع الى العالم المعيش قبل أن يكون موضوع معرفة.
§ موريس ميرلوبونتي ، فينومينولوجيا الإدراك ،غاليمار،1977:2-7
§ Maurice-Merleau-Ponty.Phénoménologie de la perception.
.webp)
تعليقات: 0
إرسال تعليق